المصالح الدينيّة والدّنيوية لينتظم بها أمر معاشه ومعاده وإذا لم تنتفع بها كان واجدها وفاقدها سواء ، وأحرى أن يلحق بالبهائم والأنعام بل هو أضلّ سبيلا .
وأما الثنتان الباقيتان فنبّه عليهما بقوله ( لا أحرار صدق عند اللَّقاء ) أي لا يرى منكم عند الحرب ولقاء الأبطال ما يصدق حريّتكم من البأس والنّجدة والشّجاعة ، بل يشاهد منكم صفات العبد من التخاذل ودنائة الهمة وبقوله ( ولا إخوان ثقة عند البلاء ) أي لستم ممّن توثق باخوّتكم عند الابتلاء بالنوازل ( تربت أيديكم ) دعا بعدم إصابة الخير ( يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها كلَّما جمعت من جانب تفرّقت من آخر ) شبّههم عليه السّلام بالإبل الموصوفة وعقّبه بذكر وجه الشبه وهو فقد الانتظام بفقدان الراعي الناظم وأشار به إلى عصيانهم له وكونهم مطلقى العنان بمنزلة من لا أمير لهم .
( واللَّه لكأني ) أبصر ( بكم فيما أخال ) وأظنّ بظهور الامارات والمخايل التي توجب الظن ( أن لو حمس الوغا ) وعظم الحرب ( وحمى الضراب ) واشتدّ حرّ الطَّعان ( قد ) تفرّقتم و ( انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها ) قال الشّارح المعتزلي : أي وقت الولادة ، وقال البحراني : شبّه انفراجهم عنه بانفراج المرأة عن قبلها ليرجعوا إلى الانفة وتسليم المرأة قبلها وانفراجها عنه إما وقت الولادة أو وقت الطعان « انتهى » وقيل : تسليم المرأة لقبلها وانفراجها عنه وقت الولادة أو وقت الطعان والتشبيه في العجز والدّنائة والغرض إرجاع القوم إلى الانفة والحميّة وتنبيههم على الخطاء في تفرّجهم وعدم انقيادهم له عليه السّلام .
أقول : وجميع ما قالوه كما ترى مما ينفرّ عنه الذوق السّليم ويأباه الطبع المستقيم لا سيّما التأويل بوقت الطَّعان أقبح سماجة ولعلّ الأظهر أن يجعل الانفراج عن القبل كناية عن الانفراج عن الولادة أو مجازا مرسلا بعلاقة كون القبل محلّ الولادة ويكون المراد بالتشبيه الإشارة إلى شدّة محبّتهم في الانفراج ومنتهى رغبتهم في التفرّق عنه فانّ المرأة في حال المخاض على غاية الشدّة والاضطراب لا شيء أحبّ إليها من الطلق والانفراج فإذا طلقت استراحت ورجعت إليها نفسها
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 129
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٢٩