تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
الصّفاء عن الكدر والسّواد كذلك علومهم صافية عن كدورات الباطل وظلمات الشبه ، الثاني في نفوذها في أجزاء المعلوم كما تنفذ الرّايات في الهواء ، وأشار بالريح التي تحبس الاقدام إلى حكمة الله التي أعطت كلَّا ما يستحقّه وقصرت كلّ موجود على حدّه وبهفوفها إلى لطف تصرّفها وجريانها في المصنوعات . أقول : ولا بأس به وإن كان خروجا عن الظاهر . ثمّ أشار إلى استغراقهم في العبادة وثباتهم في المعرفة والمحبّة بقوله : ( قد استفرغتهم أشغال عبادته ) أي جعلتهم فارغين عن غيرها ( ووصلت حقايق الايمان بينهم وبين معرفته ) أراد بحقايق الايمان العقائد اليقينية تحقّ أن تسمّى إيمانا أو البراهين الموجبة له ، وكونها وصلة بينهم وبين معرفته من حيث إنّ التّصديق بوجود الشّيء الواجب تحصيله أقوى الأسباب الباعثة على طلبه فصار الايمان والتصديق الحق بوجوده جامع بينهم وبين معرفته ووسيلة لهم إليه . ( وقطعهم الايقان به إلى الوله إليه ) أي صرفهم اليقين بوجوب وجوده عن التوجه والالتفات إلى غيره إلى ولهم إليه وتحيّرهم من شدّة الوجد ( ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره ) أي رغباتهم مقصورة على ما عنده سبحانه من قربه وثوابه وكرمه ، فإنه منتهى رغبة الراغبين وهو غاية قصد الطالبين . ( قد ذاقوا حلاوة معرفته ) استعار عليه السّلام لفظ الذّوق لتعقّلاتهم ورشّحه بذكر الحلاوة وكنّى بها عن كمال ما يجدونه من اللذّة بمعرفته كما يلتذّ ذايق الحلاوة بها ( وشربوا بالكأس الرّوية من محبّته ) استعار لفظ الشرب لما تمكن في ذواتهم من كمال المحبّة ورشّحه بذكر الكأس الروّية أي من شانها أن تروى وتزيل العطش ( وتمكنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته ) لما كان كمال استقرار العوارض القلبيّة من الحبّ والخوف ونحوهما عبارة عن بلوغها إلى سويداء القلب وتمكنها فيها عبّر عليه السّلام بها مبالغة وأشار عليه السّلام بوشيجة خيفته إلى جهات الخوف المتشعبّة في ذواتهم الناشئة من زيادة معرفتهم بعزّته وقدرته ومقهوريّتهم تحت قوّته . ( فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم ) أي عوّجوا ظهورهم المعتدلة المستقيمة بطاعاتهم الطويلة ، وهو كناية عن كمال خضوعهم .