في قوله عليه السّلام : وشربوا بالكأس إمّا للاستعانة ، أو بمعنى من وربما يضمن الشّرب معنى الالتذاذ ليتعدّى بالباء وكلمة من في قوله عليه السّلام : من قلوبهم ابتدائية أي إلى موادّ ناشئة من قلوبهم ، وفي قوله عليه السّلام ، من رجائه بيانيّة ، فالمراد الخوف والرجاء الباعثان لهم على لزوم الطاعة ، ويحتمل أن يكون الأولى بيانية أو ابتدائية والثانية صلة للانقطاع .
المعنى
اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام متضمّن لبيان صفات الملائكة وكيفية خلقتهم وحالة عبوديّتهم وخشوعهم وذلَّتهم لمعبودهم ، وقد مضى شطر واف من الكلام على هذا العنوان في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى ، وتقدّم ثمّة ما ينفعك في هذا المقام ولما كان الغرض من هذه الخطبة الإشارة إلى عظمة الله سبحانه وقدرته والإبانة عن الصّفات الجمالية والجلالية له تعالى ، وكان ملائكة السماوات من أفضل الموجودات وأشرف المجعولات وعجائب الخلايق وبدايع الصّنايع وعظم المخلوق كان دالا على عظم الخالق وبديع صنعة المصنوع كان دليلا على كمال قدرة الصّانع وتدبيره وحكمته ، لا جرم ساق عليه السّلام هذا الفصل لبيان حالهم وضمنه ذكر أوصافهم المختلفة وشئوناتهم المتفاوتة بعبارات رائقة وبدائع فائقة .
قال الشّارح المعتزلي ولنعم ما قال : إذا جاء هذا الكلام الرّباني واللَّفظ القدسي بطلت فصاحة العرب وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه نسبة التراب إلى النضار الخالص ، ولو فرضنا أنّ العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة أو المقاربة لهذه الألفاظ من أين لهم المادّة التي عبرت هذه الألفاظ عنها ومن أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول الله صلَّى الله عليه وآله هذه المعاني الغامضة السّمائية ليتهيّأ لها التعبير عنها .
أما الجاهلية فانّهم إنما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات ونحو ذلك .
وأما الصّحابة المذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 376
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٧٦