ثمّ إنّه عليه السّلام علَّل وجوب الاستبدال بعلَّة ثانية مشيرة إلى سرعة زوال الدّنيا وفنائها وقصر مدّتها وانقضائها وهو قوله ( وإنّ غاية تنقصها اللحظة وتهدمها السّاعة لجديرة بقصر المدّة ) أراد بالغاية أجل الانسان ومدّة تعيّشه في دار الدنيا ونبّه على قصرها بأنّها تنقصها اللحظة أي النظرة لأن كلّ جزء من الزّمان فرضته قد مضى من مدّة الانسان منقص لها ، وبأنها تهدمها السّاعة أي ساعات اللَّيل والنّهار ، لأنّ الطبايع الجرميّة فلكية كانت أو عنصريّة متجدّدة الوجود والحدوث في كلّ آن ، فوجودها نفس زوالها وحدوثها نفس فنائها والموادّ والأعراض تابعة للطبايع فاذن تكون السّاعات هادمة لها وقال الشّارح البحراني : كنى بالسّاعة عن وقت الموت ولا شكّ أنّ الآن الذي تنقطع فيه علاقة النّفس مع البدن غاية لأجل الانسان ، وغاية الشيء هي ما ينتهى عندها الشّيء فكنى بالهدم عن ذلك الانقطاع والانتهاء كناية بالمستعار ( وان غايبا يحدوه الجديدان الليل والنّهار لحريّ بسرعة الأوبة ) المراد بالغايب الانسان فانّه غايب عن وطنه الأصلي ومنزله الحقيقي الذي إليه معاده ومسيره وهو دار الآخرة وشبّه الليل والنّهار بالحادي لكونهما مقرّبين للانسان بتعاقبهما إلى وطنه موصلين له إليه كما أنّ الحادي يحدو الإبل ويحثّها على السّير بحدائه حتّى يوصلها إلى المنزل ، ومن المعلوم أنّ من كان حاديه الليل والنّهار فهو في غاية سرعة السّير والرّجوع إلى وطنه ، وقيل المراد بالغايب الموت قال البحراني : وهو وإن كان محتملا إلَّا أنّه لا يطابقه لفظ الأوبة لأنّه لم يكن حتّى يرجع .
أقول : يمكن الجواب عنه بأنّ الموت لما كان عبارة عن العدم الطاري للانسان وكان الانسان مسبوقا بالعدم أيضا سمّي حلول الموت بالأوبة قال الصّدر الشيرازي : اعلم أنّ المبدأ هي الفطرة الأولى ، والمعاد هو العود إليها ، فالإشارة إلى الأولى كان اللَّه ولم يكن معه شيء * ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) *
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 403
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤٠٣