عنهم اللازم من علوّة ، فهو سبحانه في كمال علوّه عليهم وبعده عنهم من حيث الذّات والصّفات منهم قريب ، وفي كمال قربه منهم ودنوّه إليهم من حيث العلم والإحاطة عنهم بعيد ، لأنّ النّور كلَّما كان أشدّ وأقوى كان مع علوّه وبعده أقرب وأدنى واعتبر ذلك بنور الشّمس وهي في السّماء الرّابعة وبنور السّراج والمشعل وهو عندك في وجه الأرض فانظر أيّهما أقرب منك حتّى تعلم أنّ أعلى الموجودات شرفا ونورا يجب أن يكون أقربها منك وحيث إنّ علوّه سبحانه لم يكن علوّا حسّيا ولا فوقيّته فوقيّة مكانيّة ( فلا ) يكون ( استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه ) بعدا مكانيّا وإن كان بعيدا منهم بمقتضى علوّه العقليّ ومتباعدا عن عقولهم بسبب ارتفاعه الذّاتي ( و ) حيث إنّ قربه من الخلق لم يكن قربا حسيّا ولا دنوّه دنوّا مكانيّا ف ( لا ) يكون ( قربه ) منهم ( ساواهم في المكان به ) والمقصود بهاتين الجملتين ردّ توهّم أولى الأوهام النّاقصة والأذهان القاصرة الذين لم يفهموا من العلوّ إلَّا الحسّي المستلزم للتّباعد ، ولم يعرفوا من القرب إلَّا المكاني المستلزم لمساواة المتقاربين في المحلّ ، وقد عرفت هنا وفي شرح الفصل الخامس والسّادس من الخطبة الأولى في بيان معنى قوله : ومن قال علام فقد اعلا منه ، وقوله : مع كلّ شيء لا بمقارنة بطلان هذا التوهم بما لا مزيد عليه وأقول الآن تأكيدا لما سبق وتوضيحا لما هنا إنّه روى في الكافي في باب الحركة والانتقال باسناده عن يعقوب بن جعفر الجعفري عن أبي إبراهيم عليه السّلام قال : ذكر عنده قوم يزعمون أنّ اللَّه ينزل إلى السّماء الدّنيا ، فقال إنّ اللَّه لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل إنّما منظره في القرب والبعد سواء ، لم يبعد منه قريب ولم يبعد منه بعيد ولم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه ، وهو ذو الطول لا إله إلَّا هو العزيز الحكيم الحديث أقول : لمّا كان زعم بعض العامّة أنّ للَّه سبحانه مكانا أعلى الأمكنة وهو العرش وأنّه ينزل في الثلث الأخير من اللَّيل إلى السّماء الدّنيا ليقرب من أهل الأرض ويناديهم بما أراد ، ردّ زعمهم بأنّه تعالى لا ينزل ولا حاجة له إلى أن ينزل ، وذلك لأنّ المتحرّك من مكان إلى مكان إنّما يتحرّك لحاجته إلى الحركة ، حيث
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 286
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٦