تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
كما قال الصّادق عليه السّلام في رواية العلل : إنّما سمّيت بكَّة بكَّة ، لأنّ النّاس يباكون فيها أي يزدحمون . وروى عطا قال : صلَّى رجل في المسجد الحرام فمرّت به امرأة بين يديه فزجرها وكان الباقر عليه السّلام حاضرا ، فمنع الرّجل وقال : لا تزجرها هذه بكة يبكّ بعضه بعضا أي يدقّ . وفي الفقيه روى أنّ الكعبة شكت إلى اللَّه عزّ وجلّ في الفترة بين عيسى ومحمّد عليهما السّلام فقالت يا ربّ مالي قلّ زوّاري مالي قلّ عوّادي ، فأوحى اللَّه إليها أنّي منزل نورا جديدا على قوم يحنّون إليك كما تحنّ الأنعام إلى أولادها ، ويزّفون إليك كما تزفّ النسوان إلى أزواجها ، يعنى أمّة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله ، أي يشتاقون إليك كما تشتاق الأنعام ، ويسرعون إليك كما تسرع النّسوان وهو معنى قوله عليه السّلام ( يألهون ) أي يسرعون ( إليه ولوه الحمام ) وكلّ ذلك كناية عن شدّة اشتياق الحجاج وفرط ميلهم إلى البيت الحرام ( جعله سبحانه ) أي الحجّ ( علامة لتواضعهم لعظمته و ) امارة ( إذعانهم لعزته ) إذ به يعرف المتواضع من المتكبر ويتميز المذعن من المتجبر ، لما فيه من التواضع والخضوع ما ليس في ساير العبادات ، ومن هجر البلدان وقطع العلاقات ، وتعب الأبدان وترك الشّهوات ، وتحمل الأخطار بقطع الأسفار وركوب الضّوامر في الجبال والقفار ، وكشف الرأس ونزع اللباس وعدم التمكن من البلوغ إلا بشقّ الأنفس ، وغير ذلك من النّسك العظام التي حارت الأفهام عن إدراك أسرارها ، وقصرت الأوهام عن اقتباس أنوارها ، إلا من أتى اللَّه بقلب سليم ، فهداه إلى صراط مستقيم ، وأمّا من لم يجعل اللَّه له نورا فماله من نور ، ومن لم يعط هدى ودليلا فأولئك هم كالأنعام بل أضل سبيلا . كما روى في الفقيه أنّ ابن أبي العوجاء دخل تمرّدا وانكارا على من يحجّ وكان يكره العلماء مسائلته إيّاهم ومجالسته لهم ، لخبث لسانه وفساد ضميره ، فأتى جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السلام ، فجلس إليه في جماعة من نظرائه ، ثمّ قال له : إنّ المجالس أمانات ولا بدّ لمن به سؤال أن يسأل أفتأذن لي في الكلام فقال