ثم أثبت لنفسه كرسيّا ، فقال : * ( وَسِعَ كُرْسِيُّه السَّماواتِ والأَرْضَ ) * إذا عرفت هذا فنقول : إنّ كلّ ما جاء من الألفاظ الموهمة للتّشبيه ، من العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة ، والطواف ، وتقبيل الحجر ، ولما توقفنا هاهنا على أن المقصود تصوير عظمة اللَّه وكبريائه ، مع القطع ، بأنّه منزّه عن أن يكون في الكعبة ، فكذا الكلام في العرش ، والكرسي ، انتهى كلامه على ما حكي عنه ، وتبعه على ذلك التّأويل جماعة من العامة ، منهم الزّمخشري ، والرازي ، والنيسابوري ، والبيضاوي ، على ما حكي عنهم .
ولكنّك خبير بأنّ الآية من المتشابهات ، وما يعلم تأوليها إلَّا اللَّه والرّاسخون في العلم ، وحملها على ما ذكره القفال ، تفسير بالرّأى وتأويل بالباطل ، لأنّ حمل الآيات القرآنية على مجرّد التخيّيل والتمثيل ، من غير حقيقة دينيّة وأصل ايمانيّ يوجب قرع باب السّفسطة والتّعطيل ، وسدّ باب الاهتداء والتّحصيل ، وفتح باب التّأويل في المعاد الجسماني من عذاب القبر والبعث والميزان والحساب والكتاب والصّراط والجنان والنيران .
بل الحقّ المعتمد تفويض تأويل أمثال هذه إلى أهل بيت العصمة الذين هم ينابيع العلم والحكمة ، فقد ذكروا عليهم السّلام فيه وجوها مثل ما رواه في الكافي باسناده عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، أنّه سئل عن قول اللَّه عزّ وجلّ : * ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) * .
فقال استوى على كلّ شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء وفيه أيضا عنه عليه السلام بعد ما سئل عنه ، فقال : استوى من كلّ شيء ، فليس شيء أقرب إليه من شيء وفى ثالث عنه عليه السلام أيضا أنّه قال بعد السّؤال عنه : استوى في كلّ شيء ، فليس شيء أقرب إليه من شيء لم يبعد منه بعيد ، ولم يقرب منه قريب ، استوى في كلّ شيء ، إلى غير ذلك من الأخبار .
وتوضيح ما ذكره عليه السلام على وجه يتّضح به المرام ، من الآية الشّريفة أيضا يستدعي
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 339
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٣٩