شيء يغلبني فخلق اللَّه الجبال فأثبتها في ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها ، فذلت الأرض واستقرت ، ويأتي فيه طائفة من الأخبار في شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة هذا ، والاشكال بعد في كيفيّة كون الجبال سببا لسكون الأرض ، وقد ذكروا فيها وجوها : منها ما ذكره الفخر الرّازي في التّفسير الكبير ، وهو أنّ السّفينة إذا ألقيت على وجه الماء ، فانّها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب ، فإذا وقعت الأجرام الثّقيلة فيها ، استقرّت على وجه الماء ، فكذلك لمّا خلق اللَّه الأرض على وجه الماء اضطربت ، ومادت ، فخلق اللَّه عليها هذه الجبال ووتدها بها ، فاستقرّت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال .
ثم قال : لقائل أن يقول : هذا يشكل من وجوه الأوّل أنّ هذا المعلَّل إمّا أن يقول بأن حركات الأجسام بطباعها ، أو يقول ليست بطباعها بل هي واقعة بايجاد الفاعل المختار .
فعلى التّقدير الأوّل نقول لا شكّ إنّ الأرض أثقل من الماء ، والأثقل يغوص في الماء ولا يبقى طافيا عليه ، فامتنع أن يقال : إنّها كانت تميد وتضطرب ، بخلاف السّفينة ، فانّها متّخذة من الخشب ، وفي داخل الخشب تجويفات ، غير مملوة ، فلذلك تميد وتضطرب على وجه الماء ، فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت ، فظهر الفرق .
وأمّا على التّقدير الثّاني وهو أن يقال : ليس للأرض والماء طبايع يوجب الثّقل والرّسوب ، والأرض إنّما تنزل لأن اللَّه تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك ، وإنّما صار الماء محيطا بالأرض ، لمجرّد إجراء العادة ، وليس هاهنا طبيعة للأرض ولا للماء توجب حالة مخصوصة ، فنقول : على هذا التّقدير علَّة سكون الأرض هي انّ اللَّه يخلق فيها السّكون ، وعلَّة كونها مائدة مضطربة ، هو أنّ اللَّه يخلق فيها الحركة فيفسد القول بأنّ اللَّه خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة ، فثبت أنّ التّعليل مشكل على كلا التّقديرين انتهى .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 314
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٤