الدليل الحاكم . فانتظر .
الجهة الثانية : في وجه تقديم الدليل الحاكم والوارد والمخصص على
الدليل المحكوم والمورد والعام .
اما الوجه في تقديم الحاكم على المحكوم . فقد قربه المحقق الأصفهاني
( قدس سره ) وتبعه السيد الخوئي - كما في بعض تقريراته ( 1 ) - بأنه لا منافاة بين
الدليلين الحاكم والمحكوم ، لان أدلة الاحكام إذا كانت بنحو القضية الحقيقية
متكفلة لاثبات الحكم على تقدير وجود الموضوع ، بمعنى انه على تقدير تحقق
الموضوع خارجا يثبت له الحكم ، ولا تعرض لها أصلا لبيان وجود الموضوع نفيا
واثباتا .
وبما ( 2 ) ان الدليل الحاكم شانه التصرف في الموضوع . ببيان : ان هذا منه
هامش
( 1 ) الواعظ الحسيني محمد سرور . مصباح الأصول 3 / 349 - الطبعة الأولى .
( 2 ) قد عرفت الحكومة بكون أحد الدليلين متصرفا في موضوع الدليل الآخر ، اما بتضييقه أو بتوسعته .
هو لا بأس يتحقق هذه الجهة مع غض النظر عما ذكر في المتن من اشكال ، فنقول :
أما دليل التوسعة : فما يتكفل منه بيان فرد بيان فرد حقيقي كقوله ( عليه السلام ) : " الفقاع خمر استصغره
الناس " - على احتمال قريب - فهو لا يستلزم توسعة في المدلول ودلالة الدليل ، إذا الحكم وارد على الموضوع
المقدر الوجود . والدليل المزبور يكشف عن انطباقه في المورد الخاص ، وهذا لا يقتضي التوسعة في موضوع
الحكم .
وما يتكفل منه اعتبار فرد للموضوع ، كما يقال في مثل : " الطواف في البيت صلاة " ، فإن كان ظاهر
الدليل الأولي كون موضوعه أعم من الفرد الحقيقي والاعتباري ، فلا يكون دليل الاعتبار موجبا لتوسعة
الدلالة ، بل هو يتكفل ايجاد فرد للموضوع وتحقيقه نظير اشتغال الشخص بالتحصيل وصيرورته عالما .
ويكون دليل الاعتبار واردا على الدليل الأولي لا حاكما . وإن يكن ظاهر الدليل ذلك ، فنفس دليل
الاعتبار يدل على التوسعة في الموضوع وانه الأعم من الفرد الحقيقي أو الاعتباري بواسطة دلالة الاقتضاء
- كما أوضحناه في المتن - .
ويكون المورد برزخا بين الحكومة والورود ، لدخول الفرد حقيقة في الموضوع ، ولكون دليل الاعتبار
ناظرا إلى الدليل الأولي .
وأما ما يتكفل منه التنزيل : فلا يخفى ان مفاد التنزيل ليس إلا ترتيب مثل أثر المنزل عليه على
المنزل ، وان شؤون المنزل عليه ثابتة للمنزل لا ترتيب نفس اثر المنزل عليه على المنزل .
فمرجع التنزيل على هذا إلى انشاء الأثر - بدليل التنزيل - للمنزل ، ومثله لا يتكفل التوسعة في
موضوع الدليل الآخر ، كما هو واضح .
وأما دليل التضييق : فما يتكفل البيان الحقيقي .
تارة : يرجع إلى بيان عدم مصداقية ، فرد متوهم المصداقية فهو لا يستلزم تضييق الموضوع واقعا
لأنه ضيق الصدق في نفسه ، غاية الأمر انه مجهول .
وأخرى يرجع إلى التصرف في المفهوم ، فهو مما لا معنى له ، إذ بعد فرض ان المفهوم العرفي معلوم
فلا معنى لنفيه حقيقة ، لأنه يصادم القطع به . فلو ورد ما ظاهره ذلك فلا بد ان يرجع إلى الاعتبار وهو
خارج عن الفرض .
واما ما يتكفل النفي اعتبارا ، فالكلام فيه هو الكلام في دليل التوسعة .
وأما ما يتكفل النفي تنزيلا ، فمرجعه إلى نفي الأثر الثابت لهذا الفرد بالدليل الاخر فيستلزم
التضييق في الدليل الآخر .
وبهذا البيان يظهر اختصاص الدليل الحاكم المتصرف في الموضوع بما يتكفل النفي التنزيلي ويمكن
الحاق دليل الاعتبار الدال على التوسعة والتضييق بدلالة الاقتضاء .
وبما أن الملحوظ هو نفي الأثر بلحاظ قيام الدليل على ثبوته ، كان الدليل الحاكم موجبا
للتصرف في مرحلة الدلالة لا ذات المدلول .
وقد أوضح هذا المعنى في المتن فراجع - .
ثم إن ههنا تحقيقا في الدليل الحاكم ثبوتا واثباتا يأتي فيما بعد .