تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مكيال المكارم — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
وتحقيق الكلام في هذا المقام إن الحكمة الإلهية اقتضت إخفاء كثير من الأمور عن العباد ، وإظهار جملة منها لهم بعد خفائها عنهم ، وجعل كثيرا من التقديرات موقوفة على وقوع أمور أو عدم أمور أخرى وفيها يكون المحو والإثبات وهو عالم بما يمحو وما يثبت في أزل الآزال ، وعنده أم الكتاب ، وهو اللوح المحفوظ ، الذي جرى فيه القلم بأمره عز وجل ، بجميع ما يكون كما يكون ، وإنما أخبر عباده بوقوع المحو والإثبات لحكم كثيرة ، ومصالح عديدة : منها دلالتهم على عموم قدرته ، ونفوذ مشيئته لئلا يقولوا كما قالت اليهود والزنادقة يد الله مغلولة . ومنها أن يتعبدوا له ويتضرعوا إليه ، ويدعوه فيفوزوا بإحدى الحسنيين أعني نيل مقاصدهم في الدار العاجلة ، إن كانت من الأمور الموقوفة ، والفوز بثواب الدعاء والتعبد والتضرع في الدار الآخرة ، إن كانت من الأمور المحتومة . ومنها التمحيص لقوم والامتحان لقوم آخرين ، ليميز الله الخبيث من الطيب وهذا التمحيص والامتحان قد يقع في أصل الإذعان للمحو والإثبات فيؤمن به قوم مؤمنون وينكره قوم آخرون ، كما زعمه قوم من الفلاسفة الزنادقة ، وقد يقع في تصديق الأئمة الطاهرين ، وحجج الله على العالمين ، فيما أخبروا بوقوع البداء فيه ، لكونه من الأمور الموقوفة ، التي يجري فيها المحو والإثبات ، فصدقهم المؤمنون لاعتقادهم به ، وبصدق أئمتهم . وإليه أشار مولانا الباقر ( عليه السلام ) في حديث فضيل بن يسار الذي مر في الوجه الرابع ، فاغتنمه وراجع . وكذبهم المعاندون ونسبوهم إلى الافتراء على الله جل شأنه في ذلك ، وزعموا أن ذلك مما وضعه الأئمة ( عليهم السلام ) ، ليكون مندوحة لهم فيما يخبرون به شيعتهم ، ثم يقع على خلاف ما حدثوهم به فقد دل جل وعز في كتابه الكريم على وقوع المحو والإثبات تصديقا لما يحدث به ويبينه حججه وبيناته ، وينكره الجاهلون به وعصاته ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وقد يقع التمحيص والامتحان في الآثار المترتبة على الاعتقاد بوقوع المحو والإثبات ، في مرحلة التوكل والتعبد ، والتصدق ، والتضرع ، والدعاء ، والاهتمام ، في الأمور الباعثة