وتحقيق الكلام في هذا المقام إن الحكمة الإلهية اقتضت إخفاء كثير من الأمور عن
العباد ، وإظهار جملة منها لهم بعد خفائها عنهم ، وجعل كثيرا من التقديرات موقوفة على
وقوع أمور أو عدم أمور أخرى وفيها يكون المحو والإثبات وهو عالم بما يمحو وما يثبت
في أزل الآزال ، وعنده أم الكتاب ، وهو اللوح المحفوظ ، الذي جرى فيه القلم بأمره عز
وجل ، بجميع ما يكون كما يكون ، وإنما أخبر عباده بوقوع المحو والإثبات لحكم كثيرة ،
ومصالح عديدة :
منها دلالتهم على عموم قدرته ، ونفوذ مشيئته لئلا يقولوا كما قالت اليهود والزنادقة يد
الله مغلولة .
ومنها أن يتعبدوا له ويتضرعوا إليه ، ويدعوه فيفوزوا بإحدى الحسنيين أعني نيل
مقاصدهم في الدار العاجلة ، إن كانت من الأمور الموقوفة ، والفوز بثواب الدعاء والتعبد
والتضرع في الدار الآخرة ، إن كانت من الأمور المحتومة .
ومنها التمحيص لقوم والامتحان لقوم آخرين ، ليميز الله الخبيث من الطيب وهذا
التمحيص والامتحان قد يقع في أصل الإذعان للمحو والإثبات فيؤمن به قوم مؤمنون
وينكره قوم آخرون ، كما زعمه قوم من الفلاسفة الزنادقة ، وقد يقع في تصديق الأئمة
الطاهرين ، وحجج الله على العالمين ، فيما أخبروا بوقوع البداء فيه ، لكونه من الأمور
الموقوفة ، التي يجري فيها المحو والإثبات ، فصدقهم المؤمنون لاعتقادهم به ، وبصدق
أئمتهم .
وإليه أشار مولانا الباقر ( عليه السلام ) في حديث فضيل بن يسار الذي مر في الوجه الرابع ، فاغتنمه
وراجع . وكذبهم المعاندون ونسبوهم إلى الافتراء على الله جل شأنه في ذلك ، وزعموا أن
ذلك مما وضعه الأئمة ( عليهم السلام ) ، ليكون مندوحة لهم فيما يخبرون به شيعتهم ، ثم يقع على
خلاف ما حدثوهم به فقد دل جل وعز في كتابه الكريم على وقوع المحو والإثبات تصديقا
لما يحدث به ويبينه حججه وبيناته ، وينكره الجاهلون به وعصاته ، تعالى الله عما يقول
الظالمون علوا كبيرا .
وقد يقع التمحيص والامتحان في الآثار المترتبة على الاعتقاد بوقوع المحو والإثبات ،
في مرحلة التوكل والتعبد ، والتصدق ، والتضرع ، والدعاء ، والاهتمام ، في الأمور الباعثة
مكيال المكارم — صفحة 325
مساهمون: ميرزا محمد تقي الأصفهاني
ص٣٢٥