وثالثا : ان الاسلام لم يهمل أمر هذه الحرمانات كحرمان المرأة من فضيلة الجهاد في
سبيل الله دون أن تداركها ، وجبر كسرها بما يعادلها عنده بمزايا وفضائل فيها مفاخر
حقيقية كما أنه جعل حسن التبعل مثلا جهادا للمرأة ، وهذه الصنائع والمكارم أوشك
أن لا يكون لها عندنا - وظرفنا هذا الظرف الحيوي الفاسد - قدر لكن الظرف الاسلامي
الذي يقوم الأمور بقيمها الحقيقية ، ويتنافس فيه في الفضائل الإنسانية المرضية عند
الله سبحانه ، وهو يقدرها حق قدرها يقدر لسلوك كل إنسان مسلكه الذي ندب إليه ،
وللزومه الطريق الذي خط له ، من القيمة ما يتعادل فيه أنواع الخدمات الإنسانية
وتتوازن أعمالها فلا فضل في الإسلام للشهادة في معركة القتال والسماحة بدماء المهج
- على ما فيه من الفضل - على لزوم المرأة وظيفتها في الزوجية ، وكذا لا فخار لوال
يدير رحى المجتمع الحيوي ، ولا لقاض يتكي على مسند القضاء ، وهما منصبان ليس
للمتقلد بهما في الدنيا لو عمل فيما عمل بالحق وجرى فيما جرى على الحق إلا تحمل
أثقال الولاية والقضاء ، والتعرض لمهالك ومخاطر تهددهما حينا بعد حين في حقوق من
لا حامي له إلا رب العالمين . وإن ربك لبالمرصاد - فأي فخر لهؤلاء على من منعه
الدين الورود موردهما ، وخط له خطا وأشار إليه بلزومه وسلوكه .
فهذه المفاخر إنما يحييها ويقيم صلبها بإيثار الناس لها نوع المجتمع الذي يربي
اجزاءه على ما يندب إليه من غير تناقض ، واختلاف الشؤون الاجتماعية والأعمال
الإنسانية بحسب اختلاف المجتمعات في أجوائها مما لا يسع أحدا إنكاره .
هو ذا الجندي الذي يلقي بنفسه في أخطر المهالك ، وهو الموت في منفجر القنابل
المبيدة ابتغاء ما يراه كرامة ومزيدا ، وهو زعمه أن سيذكر اسمه في فهرس من فدا
بنفسه وطنه ويفتخر بذلك على كل ذي فخر في عين
قضايا المجتمع والأسرة — صفحة 134
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٣٤