معه الشيء ، ونفر به الفرس تحته ، ودار به . فأمرهم بالانصراف ، وأمر من بين يديه من المشاة بصرفهم ، فألحوّا عليه ولم ينصرفوا عنه وقصّر المشاة عنهم في دفعهم ، فتناول رمحا من يد بعضهم وقال : ما جزاء أحدكم إلَّا ضربه بهذا ! ثمّ نظر ( صلع ) إلينا وتبسّم في الوقت بعقب / ذلك وقال : أما ترون ما نحن فيه ؟ وتحدّث ، كأنّه لم يعارض بشيء .
ولقد نالني ومن رأيته حولي ممّن كان سايره لما رأيناه من ذلك غمّ وغضب شديد ، فلا واللَّه ما كان منه في ذلك إلَّا ما ذكرته ممّا استعمله طبعه الكريم يظهر استعماله إيّاه كما نستعمل الغضب على الطَّفل إذا جهل ليروّع ويفزع من أجله .
ولقد تأسّيت به في الحلم عمّن يجهل ويخالف الواجب من دخلتي وعبيدي والإعراض عن زلَّاتهم والصفح عن هفواتهم : فلقد بطروا لذلك وخال « 1 » عليّ كثير من أمرهم . ثمّ قرنت / ما كنت أجده من ألم الغيظ والعقوبة بما صرت إليه من راحة الحلم ولذّة العفو والإغضاء ، فرأيت أنّ الذي صرت إليه من ذلك أفضل .
وقد كنت كثيرا ما أعاقب فأندم على العقوبة إذا سكن غضبي ، وأعاتب في ذلك نفسي . ثمّ صلح لي بحمد اللَّه مع الدوام على ذلك كثير من الأمور ممّا لم يكن يصلح بالعنف .
وكذلك رأيت أمور المعزّ عليه السلام على ما منحه اللَّه من الحلم والأناة والصبر يأتي مع ذلك بحسن العواقب وجميل الأمور « 2 » . وكثيرا ما فكَّرت في ذلك فذكرت له قول بعض أهل الأدب وقد رأى بعض الناس عبيدا له يفعلون في أمور غير / الواجب فقال له : ألا تؤدّب عبيدك هؤلاء وتصلحهم ؟ فقال : قد رمت ذاك فرأيت أنّي لا أصلح شيئا من أحوالهم إلَّا بفساد شيء من حالي ، فرأيت أنّ إصلاح حالي أعود عليّ من صلاح أحوالهم فتركتهم لذلك ، يصفو منهم ما صفا ويتكدّر منهم ما تكدّر .
هامش
« 1 » بمعنى : اشتبه واستعصى .
« 2 » التعبير مختل ، وكأن « أمور » الأولى زائدة .