فرددت عليه غصته ، وتغرغرت عيناه بالدموع ، ثم قال : ولو ترك القطا ليلا
لنام ( 1 ) .
فقالت : يا ويلتاه ، أفتغتصب نفسك اغتصابا ، فذلك أقرح لقلبي ، وأشد
على نفسي ، ثم أهوت إلى جيبها فشقته ، وخرت مغشيا عليها .
فقام عليه السلام فصب عليها الماء حتى أفاقت . ( 2 )
نادت فقطعت القلوب بشجوها * لكنما انتظم البيان فريدا
إنسان عيني يا حسين أخي يا * أملي وعقد جماني المنضودا
إن تنع أعطت كل قلب حسرة * أو تدع صدعت الجبال الميدا
عبراتها تحيي الثرى لو لم تكن * زفراتها تدع الرياض همودا
هامش
( 1 ) من الأمثال العربية ، يقال في الأمر الخفي قد ظهر ما يدل عليه .
والقطا نوع من الطير يأوي عادة إلى عشه في الليل ، فإذا وجد ليلا طائرا عرف أن أمرا قد أفزعه .
قالوا : إن رجلا من العرب يسمى غاطس بن خلاج سار إلى رجل يسمي الريان في قبائل حمير
وخثعم وهمدان وغيرهم ، ولقيهم الريان في أربعة عشر حيا من أحياء اليمن فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم
تحاجزوا ، ولكن الريان هرب في الليل مع أصحابه ، وساروا يومهم وليلتهم حتى ظنوا أنهم بعدوا ،
فعسكروا حيث وصلوا ، وأصبح الصبح فغدا غاطس إلى قتلاهم فلم يجدهم في مكانهم ، فجد في
طلبهم ، ولم يزل حتى اقترب من المكان الذي عسكر فيه الريان ، ونظر الريان وأصحابه فوجدوا القطا
يمر بهم طائرا فزعا ، فصاحت ابنة الريان :
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا * فلو ترك القطا ليلا لناما
أنظر : مجمع الأمثال العربية للميداني : 322 .
( 2 ) الملهوف : 140 ، الأمالي الخميسية 1 : 177 .