{ إقامة البرهان على أنّ النسبة موجودة واقعاً }
وأمّا البرهان على وجود النسبة على النحو العامّ للحقيقيّ والاعتباري ،
فهو تعلّق العلم تارة بطرفي النسبة ، والجهل بها ، وغير المعلوم غير المعلوم ،
وصادقيّة « زيد قائم » تارة وعدم صادقيّته اُخرى مع العلم بوجود « زيد » ووجود
القيام ; فيعلم ثبوت أمر في الصورة الاُولى ، منتف في الصورة الثانية .
وأمّا كونها في الغير - أي في الطرفين - فلا يدلّ على عدم وجودها ، وإلاّ لم
يكن العرض موجوداً ، لأنّه من حالات المعروض وكيفيّاته . والوحدة للطرف
والتعدّد ، لا يؤثّر [ شيء منهما ] في الوجود والعدم ( 1 ) ، بل لو لم توجد النسبة ، لم
هامش
( 1 ) { تفرقة بين التعبير الإسمي والحرفي وإن كان الواقع واحداً }
ولا يخفى أنّه حيث إنّ الواقع مشتمل على وجود الموضوع ووجود المبدء في المحمول
وعلى وجود الربط بينهما ، فهذا الواقع لا يزيد ولا ينقص بسبب التعبير عنه بالاسم ، فيقال :
« ظرفيّة الدار لزيد محقّقة » ، أو الحرف ، فيقال : « زيد في الدار » ; فلا يمكن أن يكون الوجود
الثالث في الطرفين ولا في لا في الطرفين ، وموضوعاً أو محمولاً تارةً ، وخارجاً عنهما اُخرى
حقيقة أو حقيقيّاً في تعبير ، واعتباريّاً في الآخر ; بل مع اشتراكهما في إفادة المراد الواحد ،
يفترقان بأنّ المحفوفيّة بالطرفين لازمة في المعنى الحرفي ، وغير لازمة في المعنى الاسمي
وإن كانت تتحقّق تارةً ، كما في المثال ; فلو نظر إلى هذا الرابط ، لتعرّف حال الطرفين وهذا
غايته ; فلا يمكن أن يكون هذا النظر مقصوراً على نفسه ومخبراً عنه أو به ; فإنّ اللحاظ للغير
لا يجتمع مع اللحاظ لا للغير .
فيصحّ أن يقال : إنّ الظرفيّة ، من الأعراض النسبيّة ، بلا حاجة إلى ذكر الطرفين ومعرفتهما ،
وإن كانت لو تحقّقت لا تتحقّق إلاّ لطرفين ، بخلاف ما إذا قصد العبور بها إلى معرفة حال
طرفيها من حيث الظرفية والمظروفيّة ، فلا يمكن الإخبار عن نسبة الظرفيّة ، بل يخبر عن أحد
طرفيها بالآخر في حال الانتساب المذكور ; فالمعنى الاسمي هو المعنى الملحوظ في نفسه
وهو المعبّر عنه في الحديث ( البحار 40 : 162 ) ب « المسمّى » ; وما يجري مجراه في الجملة
هو المعنى الملحوظ لطرفيه وفي طرفيه ، لا أنّه موجود في الطرفين وأنّ الاسم موجود في
نفسه ; فإنّ الواقع لا يتغيّر الموجود فيه بسبب التعبيرين ; بل مغايرة اللحاظين ، لأجل مغايرة
الحملين ، والمخصوص بأحدهما ، الاسم وبالآخر ، الحرف ; ومخالفة قانون الوضع للغايات
المتعدّدة المخصوص كلّ واحدة منها بدالّ خاصّ ، في قوّة المخالفة في نفس الموضوع له ،
كما هو ظاهر .
{ المعنى الاسمي منظور إليه والحرفي منظور به }
ونتيجة ما مرّ : أنّ المعنى الاسمي هو المنظور إليه ، والحرفي هو المنظور به ; فقهراً يكون
الأوّل طرفاً للنّسبة الخارجيّة والثاني ، نفس النسبة الخارجيّة . وكذا مفهوم النسبة معنى اسمي
يمكن وقوعه طرفاً لنسبة خارجيّة وملحوظ استقلالي ، [ مثلا ] تقول : « نسبة الابتداء بين
السير والبصرة » ، وتقول : « مبدء سيري البصرة » . مع أنّ ما في الخارجيّة ليس إلاّ النسبة
وطرفاه ، بأيّ تعبير عبّر عنها ، لكن وضع الاسم لمعناه لا يحتاج إلى مزيد تقييد بالملحوظ
مستقلاًّ ، بل هو مقتضى طبع وضع الاسم والفعل ، بخلاف الحرف فإنّه موضوع للنسبة
المحفوفة بالطرفين الملحوظة لتعرّف حال الطرفين ومالهما من الوصف الحاصل بالانتساب .
فالفارق بين المعنى الحرفي - وهو حقيقة النسبة - وبين المعنى الاسمي الموافق لذلك
المعنى الحرفي في الجملة ، أنّ الاسم الدالّ على العنوان والنسبة والظرفيّة والابتدائيّة ونحوها ،
أنّه وضع للحاظ مدلوله مستقلاًّ بحيث يخبر عنه وبه ; والحرف وضع للحكاية عن معنى غير
ملحوظ إلاّ آلةً لتعرّف حال الطرفين ووصفهما ، ولا يخبر عن ذلك المعنى ولا به ، بل به يصحّ
الإخبار عن شيء بشيء .