لا عهد لهم برؤيتها ( 1 ) ، ورجع كل رجل منهم إلى أهله ، وأتى كل
رجل منهم جانبه من ثقيف فسألوه : ماذا جئتم به ، وما رجعتم به ؟
قالوا : أتينا رجلا غليظا يأخذ من أمره ما شاء ، قد ظهر بالسيف
وأداخ ( 2 ) العرب ، وأدان له الناس ، فعرض علينا أمورا شدادا :
هدم اللات وترك الأموال في الربا إلا رؤوس أموالنا ، وتحريم الخمر .
قالت ثقيف : فوالله لا نقبل هذا أبدا ، فقال الوفد فأصلحوا السلاح
وتيسروا للقتال ( 3 ) ، ورموا حصنكم . فمكثت بذلك ثقيف يومين
أو ثلاثة يريدون - زعموا - القتال ، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب ،
فقالوا : والله ما لنا طاقة به ، أداخ العرب كلها ، فارجعوا إليه
وأعطوه ما سأل وصالحوه عليه ، فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا
وخافوا واختاروا الامن على الخوف والحرب قال الوفد : فإنا قد
قاضيناه ، وأعطانا ما أحببنا وشرط لنا ما أردنا ، ووجدناه أتقى
الناس وأوفاهم ، وأرحمهم وأصدقهم ، وقد بورك لنا ولكم في
مسيرنا إليه ، وفيما قاضيناه عليه . فانهوا القضية واقبلوا عاقبة الله ،
قالت ثقيف : فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا به أشد الغم ؟
قالوا : أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان ( 4 ) . فأسلموا
مكانهم واستسلموا ، ومكثوا أياما ، ثم قدمت عليهم رسل رسول الله
صلى الله عليه وسلم أميرهم خالد بن الوليد ، وفيهم المغيرة بن شعبة ،
هامش
( 1 ) في المرجع السابق " كأنهم لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها " .
( 2 ) أداخ العرب : أي أذلهم ( النهاية 2 : 34 ) .
( 3 ) وتيسروا للقتال أي تهيئوا له ( أقرب الموارد 2 : 1198 ) وهو بهذا موافق
لشرح المواهب للزرقاني 3 : 9 .
( 4 ) نخوة الشيطان : الكبر والعظمة ( شرح المواهب للزرقاني 4 : 9 ) .