ساء ما يحكمون } ( 1 ) .
ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه يده على منكب همام بن عبادة
فقال : ألا من سأل عن شيعة أهل البيت ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم في كتابه مع نبيه
تطهيرا :
فهم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله ، أهل الفضائل والفواضل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم
الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، بخعوا لله تعالى بطاعته ، وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضين أبصارهم عما
حرم الله عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في
الرخاء رضى عن الله بالقضاء ، فلولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ،
شوقا إلى لقاء الله والثواب ، وخوفا من العقاب .
عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها
متكئون ، وهم والنار كمن أدخلها فهم فيها يعذبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم
نحيفة ، وحوائجهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ومعونتهم في الإسلام عظيمة .
صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسرها لهم رب كريم ، أناس أكياس ، أرادتهم
الدنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم فأعجزوها .
أما الليل فصافون أقدامهم ، تالون لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا ، يعظون أنفسهم بأمثاله ،
ويستشفعون لدائهم بدوائه تارة ، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، تجري
دموعهم على خدودهم ، يمجدون جبارا عظيما ، ويجأرون إليه جل جلاله في فكاك رقابهم ، هذا ليلهم .
فأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء ، براهم خوف باريهم فهم أمثال القداح ، يحسبهم الناظر إليهم مرضى
وما بالقوم من مرض ، أو قد خولطوا ، وقد خالط القوم من عظمة ربهم ، وشدة سلطانه أمر عظيم
طاشت له قلوبهم ، وذهلت منه عقولهم ، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال
هامش
( 1 ) سورة الجاثية : 21 .