وعلم عجز كل ما يدعى من دون الله عن خلق ذباب من مادته وصورته ، وإفاضة
الحياة على مادته الميتة ، وما أودع في صنعه من لطائف الحكمة ، وتأمل في عجز
ما يدعى من دون الله عن استنقاذ ما سلبه هذا المخلوق الضعيف ، علم أنه عبد
مملوك لا يقدر على شئ ، وعلم تفسير قوله تعالى بعد هذه الآية : { ما قدروا الله
حق قدره إن الله لقوى عزيز } ( 1 ) ، وعلم { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى
الرحمن عبدا } ( 2 ) .
ومن أدرك العبودية الحقيقية يعلم أنها تقتضي حقيقة العبودية ، التي توصل
العبد إلى العبادة الحقيقية ، التي هي منزلة الأحرار عن الرقية لما سوى الله ، وهم
الذين عبدوا الله شكرا لا خوفا ولا رجاء .
والذين يريدون استكمال نفوسهم لابد لهم من إدراك العبودية الحقيقية ،
وأداء حقها ، وهو تطلبهم في نفوسهم حقيقة العبودية ، التي هي مفتاح العلم الذي
ليس بالتعلم ، وإنما نور يقذفه الله في قلب من يريد الله أن يهديه ( 3 ) ، وهذا هو مرقاة
الكمال التي يصل عباد الله بطي درجاتها إلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق
اليقين ، ومن هنا قال ( عليه السلام ) : فإن أردت العلم فاطلب حقيقة العبودية .
وليس الغرض من هذه الإشارة تحقيق ما في الحديث من الدقائق ، بل
الغرض التذكر للتدبر في كلمات أهل بيت العصمة ، نسأل الله التوفيق لعبودية الله
وعبادته التي هي الغاية من الخلقة ، وكفى في مرتبة الواصلين إلى مرتبة العبودية
قوله تعالى :
هامش
( 1 ) سورة الحج : 74 .
( 2 ) سورة مريم : 93 .
( 3 ) إشارة إلى ما ورد في مشكاة الأنوار ص 327 .