فلما توجه إلى الأنبار ، أرسل معاوية إليه رسلا ، وكتب إليه بمثل ما كتب إلى
صاحبه وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم ، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام ، أو
الجزيرة ، فقلب على الحسن ( عليه السلام ) وأخذ طريقه إلى معاوية ، ولم يحفظ ما أخذ عليه
من العهود ، وبلغ الحسن ( عليه السلام ) ما فعل المرادي . . . ( 1 ) .
وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية ، فإنا معك ، وإن شئت أخذنا الحسن
وبعثناه إليك ، ثم أغاروا على فسطاطه وضربوه بحربة ، ثم كتب جوابا لمعاوية : إنما
هذا الأمر لي ، والخلافة لي ولأهل بيتي ، وإنها محرمة عليك وعلى أهل بيتك ، سمعته من رسول
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والله لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد ( 2 ) .
فكما أنه قال ( عليه السلام ) : فإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله ، وحاكمناه إلى الله ، لو كان له
أصحاب مثل ما كان لأخيه لكان له يوم كيوم الحسين ( عليه السلام ) ، ولكن الذين كانوا
حوله كانت قلوبهم مع معاوية ، ولو قام لم يتيسر مراده من بذل نفسه في ذات الله ،
بل تحقق ما أراده معاوية وهو أن يمحو العفو والكرامة التي ظهرت من جده
رحمة الله على العالمين ، عليه وعلى أبيه من المشركين ، حيث قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا
تثريب عليكم اليوم ، اذهبوا فأنتم الطلقاء ( 3 ) ، وأن يزيل عار الطليق ابن الطليق عن
نفسه وعن أبيه بالسيطرة على الإمام فيمن على رسول الله وأوصيائه المعصومين
بالعفو عنه ( عليه السلام ) ، ويجعل عار الطليق على سيد الأحرار فيصير صاحب الفئ فيئا ،
وكان هذا هوانا وذلا على الرسول وأوصيائه وعلى علي وأولاده ( عليهم السلام ) إلى يوم
هامش
( 1 ) الخرائج والجرائح ج 2 ص 575 .
( 2 ) الخرائج والجرائح ج 2 ص 576 .
( 3 ) فيض القدير ج 5 ص 218 ، فتح القدير ج 2 ص 60 ، الثقات ج 2 ص 56 ، تاريخ الطبري ج 2 ص 337 ،
البداية والنهاية ج 4 ص 344 ، سبل السلام ج 4 ص 45 ومصادر أخرى للعامة .
الكافي ج 3 ص 513 ، التهذيب ج 4 ص 38 ، بحار الأنوار ج 21 ص 106 ومصادر أخرى للخاصة .