ما يكون .
وبالتأمل في هذه الصحيحة يظهر سر تسميتها بالمحدثة ، ولولا السنخية مع
الملاء الاعلى بلطافة روحها عن كدورات عالم المادة ، لم يتيسر لها مجالسة روح
القدس ، وهذا وجه تسميتها بالحوراء الإنسية .
ولا عجب من وصولها إلى هذه المقامات العالية ، وطيها درجات مرقاة
الكمال ، إلى أن وصلت إلى مرتبة توجب حيرة الكمل ، فان الإنسان يمتاز عن
سائر الخلق بتركبه من الشهوة والغضب ، والعقل والإرادة ، فان صارت الإرادة
مقهورة للشهوة والغضب يتنزل إلى مرتبة الحيوانية { أولئك كالانعام بل هم أضل } ( 1 )
وان صارت مقهورة للعقل يصر الإنسان بالقوة انسانا بالفعل ، وبغلبة جنود العقل
على جنود الجهل يتسلط على نفسه ويصعد بروحه من حضيض الأرض إلى
ملكوت السماء .
والكمال كل الكمال أن تصير الإرادة مقهورة لأمر الله ، والرضا والغضب
تابعين لرضا الله وغضب الله تعالى ، فإذا بلغ العبد إلى أن يرضى لرضا الرب
ويغضب لغضبه على الإطلاق ، بحيث لا يتخلف رضاه وغضبه عن رضا الله
وغضبه في حال من الأحوال ، يصل إلى مرتبة العصمة المطلقة .
وقد صحح عند العامة وإلى الخاصة أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال لفاطمة إن الله يغضب
لغضبك ويرضا لرضاك ( 2 ) ، فإذا كانت العصمة المطلقة المستلزمة لإمامة الناس أن يرضى
العبد برضى الرب ويغضب لغضبه بقول مطلق ، فكيف تصل الأفكار إلى مقام
الصديقة التي يرضى الرب لرضاها ويغضب لغضبها على الإطلاق ، بإطلاق كلام
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 179
( 2 ) راجع صفحه :