يصح بحال ، لكن الثاني فيه فساد عظيم لا تحتمله الشريعة فتعين الأول . وأما هذه الحيلة فيعرف بطلانها بأدنى نظر .
فعلى هذا إذا حصلت جائحة في هذا الضمان ، فإن قلنا : العقد فاسد فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها وقد خلي بينه وبينها وتلفت قبل كمال الصلاح أو لم تطلع . وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه لقوله " أرأيت أن منع الله الثمرة " أو قال " أرأيت إن لم يثمرها الله ، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟ " وإذا أصابتها جائحة منعت كمال صلاحها وأفسدتها فقد منع الله الثمرة فيجب أن لا يأخذ مال أخيه بغير حق . ومن قال أن الثمرة تضمن بالقبض في العقد الصحيح فيلزمه أن يقول أنها تضمن بالقبض في العقد الفاسد ، فإذا تلفت هنا يكون من ضمانه لأن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون على المشتري ، لكن يجب أن يضمنوا قيمتها حين تلفت ، وقد يكون تلفها في أوائل ظهورها وقيمتها قليلة ، وقد يكون بعد بدو صلاحها وهذا مما يلزمهم فيه إلزاماً قوياً ، وهو أنه إذا اشتراها بعد بدو صلاحها مستحقة التبقية فكثير من أجزائها وصفاتها لم يخلق بعد ، فإذا تلفت بجائحة ولم نضع عنه الجائحة ، فيجب أن لا يضمن إلا ما قبضه دون ما لم يخلق بعد ولم يقبضه ، فيجب أن ينظر قيمتها حين أصابتها الجائحة فينسب ذلك إلى قيمتها وقت بدو الصلاح ، فيضمن من الثمن بقدر ذلك ، بمنزلة من قبض بعض المبيع وبعض منفعة الإجارة دون بعض فإنه يضمن ما قبضه دون ما لم يقبضه بعد . فأما أن يجعل الأجزاء والصفات المعدومة التي لم تخلق بعد من ضمانه وهي لم توجد فهذا خلاف أصول الإسلام ، وهو ظلم بين لا وجه له ، ومن قاله فعليه أن يقول أنه إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها وقبض أصلها ولم يخلق منها شيء لآفة منعت الطلع أن يضمن الثمن جميعه للبائع ، وهذا خلاف النص والإجماع ، ويلزمه أن يقول أنه لو بدا صلاحها في العقد الفاسد
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 222
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢٢