تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وإذا قيل لم يكن متكلماً ثم تكلم ، أو قيل كان الكلام ممتنعاً ثم صار ممكناً له ، كان هذا - مع وصفه له بالنقص في الأزل وأنه تجدد له الكمال ومع تشبيهه له بالمخلوق الذي ينتقل من النقص إلى الكمال - ممتنعاً من جهة أن الممتنع لا يصير ممكناً بلا سبب ، والعدم المحض لا شيء فيه ( 1 ) فامتنع أن يكون الممتنع فيه يصير ممكناً بلا سبب حادث . وكذلك إذا قيل كلامه كله معنى واحد لازم لذاته ليس له فيه قدرة ولا مشيئة ، كان هذا في الحقيقة تعطيلاً للكلام وجمعاً بين المتناقضين إذ هو إثبات لموجود لا حقيقة له ، بل يمتنع أن يكون موجوداً مع أنه لا مدح فيه ولا كمال ، وكذلك إذا قيل كلامه كله قديم العين وهو حروف وأصوات قديمة لازمة لذاته ليس فيه قدرة ولا مشيئة ، كان هذا مع ما يظهر من تناقضه وفساده في المعقول لا كمال فيه إذ لا يتكلم بمشيئته ولا قدرته ولا إذا شاءه . أما قول من يقول ليس كلامه إلا ما يخلقه في غيره فهذا تعطيل للكلام من كل وجه وحقيقته أنه لا يتكلم كما قال ذلك قدماء الجهمية ، وهو سلب للصفات إذ فيه من التناقض والفساد حيث أثبتوا الكلام المعروف ونفوا لوازمه ما يظهر به أنه من أفسد أقوال العالمين ، بأنهم أثبتوا أنه يأمر وينهى ويخبر ويبشر وينذر وينادي من غير أن يقوم به شيء من ذلك ، كما قالوا أنه يريد ويحب ويبغض ويغضب من غير أن يقوم به شيء من ذلك ، وفي هذا من مخافة صريح المعقول وصحيح المنقول ما هو مذكور في غير هذا الموضع . وأما القائلون بقدم هذا العالم فهم أبعد عن المعقول والمنقول من جميع الطوائف ولهذا أنكروا الكلام القائم بذاته والذي يخلقه في غيره ، ولم يكن كلامه عندهم إلا ما يحدث في النفوس من المعقولات والمتخيلات ، وهذا ( معنى ) تكليمه لموسى عليه السلام وعندهم ، فعاد التكليم إلى مجرد علم المكلم . ثم إذا قالوا مع ذلك أنه لا يعلم
هامش
( 1 ) كذا في الأصل والمعنى المراد أنه ليس فيه شيء من معنى السببية
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 188 | ابن تيمية / السيد محمد رشيد رضا