تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وقوله " بدأ الخلق " مثل قوله في الحديث الآخر " قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " فإن الخلائق هنا المراد بها الخلائق المعروفة المخلوقة بعد خلق العرش وكونه على الماء . ولهذا كان التقدير للمخلوقات هو التقدير لخلق هذا العالم ، كما في حديث القلم : إن الله لما خلقه قال اكتب ، قال : وماذا أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة . وكذلك في الحديث الصحيح " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء " وقوله في الحديث الآخر الصحيح " كان الله ولا شيء قبله ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، ثم خلق السماوات والأرض " يراد به أنه كتب كل ما أراد خلقه من ذلك فإن لفظ كل شيء يعم في كل موضع بحسب ما سيقت له ، كما في قوله ( بكل شيء عليم - وعلى كل شيء قدير ) وقوله ( الله خالق كل شيء - وتدمر كل شيء - وأوتيت من كل شيء - وفتحنا عليهم أبواب كل شيء - ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين ) وأخبرت الرسل بتقدم أسمائه وصفاته كما في قوله ( وكان الله عزيزاً حكيماً . سميعاً بصيراً . غفوراً رحيماً . ) وأمثال ذلك . قال ابن عباس " كان ولا يزال " ولم يقيد كون بوقت دون وقت ، ويمتنع أن يحدث له غيره صفة ، بل يمتنع توقف شيء من لوازمه على غيره سبحانه ، فهو المستحق لغاية الكمال ، وذاته هي المستوجبة لذلك . فلا يتوقف شيء من كمال ولوازم كماله على غيره ، بل نفسه المقدسة ، وهو المحمود على ذلك أزلاً وأبداً ، وهو الذي يحمد نفسه ويثني عليها بما يستحقه . وأما غيره فلا يحصي ثناء عليه بل هو نفسه كما أثنى على نفسه ، كما قال سيد ولد آدم في الحديث الصحيح " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " .
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 187 | ابن تيمية / السيد محمد رشيد رضا