وقع الإخبار بها في أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن أوله ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ) فأطلق الخلق ثم خص الإنسان ، وأطلق التعليم ثم خص التعليم بالقلم ، والخلق يتضمن فعله والتعليم يتضمن قوله ، فإنه يعلم بتكليمه ، وتكليمه بالإيحاء وبالتكلم من وراء حجاب وبإرسال رسول يوحي بإذنه ما يشاء ، قال تعالى ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) وقال تعالى ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) وقال تعالى ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علماً ) وقال تعالى ( الرحمن ، علم القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان ، الشمس والقمر بحسبان ) .
وهؤلاء الفلاسفة يتضمن قولهم في الحقيقة أنه لم يخلق ولم يعلم ، فإن ما يثبتونه من الخلق والتعليم إنما يتضمن التعطيل ، فإنه على قولهم لم يزل الفلك مقارناً له أزلاً وأبداً ، فامتنع حينئذ أن يكون مفعولاً له ، فإن الفاعل لا بد أن يتقدم على فعله ، وعندهم أنه لا يعلم شيئاً من جزئيات العلم ، والتعليم فرع العلم ، فمن لم يعلم الجزئيات يمتنع أن يعلمها غيره ، وكل موجود فهو جزئي لا كلي ، كذا الكليات إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان ، فإذا لم يعلم شيئاً من الجزئيات لم يعلم شيئاً من الموجودات ، فامتنع أن يعلم غيره شيئاً من العلم بالموجودات المعينة .
ومن قال منهم لا يعلم لا كلياً ولا جزئياً فقوله أقبح . ومن قال يعلم الكليات الثابتة دون المتغيرة ، فهو عندهم لا يعلم شيئاً من الحوادث ولا يعلمها لأحد من خلقه ، كما يقتضي قولهم أنه لم يخلقها ، فعلى قولهم لا خلق ولا علم ، وهذا حقيقة قول مقدمهم أرسطو ، فإنه لم يثبت أن الرب مبدع للعالم ولا جعله علة فاعلة ، بل الذي أثبته أنه علة غائية يتحرك الفلك لتشبثه به كتحريك المعشوق للعاشق ، وصرح بأنه لا يعلم الأشياء . فعنده لا خلق ولا علم . وأول ما أنزل
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 185
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٥