سواء ، لكن هؤلاء كرهوا ما كرهه الله إليهم بغير نعمة خصهم بها ، وهؤلاء لم يكرهوا ما كرهه الله إليهم .
ومن توهم منهم أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد فهو جاهل بمذهبهم ، فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله ، فإن أصل قولهم أن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية ، كلتاهما فعله بقدرة تحصل له من غير أن يخصه بإرادة خلقاه فيه تختص بأحدهما ، ولا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما ، فإذا احتجوا بهذه الآية على مذهبهم كانوا جاهلين بمذهبهم وكانت الآية حجة عليهم لا لهم ، لأنه تعالى قال ( قل كل من عند الله ) وعندهم ليس الحسنات المفعولة ولا السيئات المفعولة من عند الله بل كلاهما من العبد ، وقوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) مخالف لقولهم ، فإن عندهم الحسنة المفعولة والسيئة المفعولة من العبد لا من الله سبحانه .
وكذلك من احتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته إذا احتج بقوله تعالى ( قل كل من عند الله ) كان مخطئاً فإن الله ذكر هذه الآية رداً على من يقول الحسنة من الله والسيئة من العبد ، ولم يقل أحد من الناس أن الحسنة المفعولة من الله والسيئة المفعولة من العبد .
وأيضاً فإن نفس فعل العبد وإن قال أهل الإثبات أن الله خلقه وهو مخلوق له ومفعول له فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال ، وبه قامت ، ومنه نشأت ، وإن كان الله خلقها .
وأيضاً فإن قوله بعد هذا ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) يمتنع أن يفسر بالطاعة والمعصية ، فإن أهل الإثبات لا يقولون أن الله خالق إحداهما دون الأخرى ، بل يقولون بأن الله خالق لجميع الأفعال وكل الحوادث .
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 141
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤١