تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
قول القائل هذا فعل هذا وفعل هذا لفظ فيه إجمال ، فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل وتارة يراد به مسمى المصدر . فيقول فعلت هذا أفعله فعلاً وعملت هذا أعمله عملاً ، فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك فالعمل هنا المعمول ، قال تعالى ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ) فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن . ومن هذا الباب قوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ) فإنه في أصح القولين ( ما ) بمعنى الذي ، والمراد به ما تنحتونه من الأصنام ( 1 ) كما قال تعالى ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) أي والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها . ومنه حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله خالق كل صانع وصنعته " لكن قد يستدل بالآية على أن الله خلق أفعال العباد من وجه آخر ، فيقال : إذا كان خالقاً لما يعملونه من المنحوتات لزم أن يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه فيها فإنها إنما صارت أوثاناً بذلك التأليف وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم ، وإذا كان خالقاً للتأليف كان خالقاً لأفعالهم .
والمقصود أن لفظ الفعل والعمل والصنع أنواع ، وذلك كلفظ البناء والخياطة والنجارة تقع على نفس مسمى المصدر وعلى المفعول وكذلك لفظ التلاوة والقراءة
هامش
( 1 ) التنظير هنا لا محل له فإن عين الأول وإنما جاء بأول الآية لاثبات أن ما موصولة لا مصدرية ، والآية من محاجة إبراهيم صلى الله عليه وسلم لقومه ( قل أتعبدون ما تنحتون ) وهي الأصنام ( والله خلقكم وما تعملون ) أي والحال أن الله خلقكم وخلق الذي تعملونه منها فهي مخلوقة له . وإذاً يكون هو الحقيق بالعبادة وحده . ولو كانت ( ما ) مصدرية لكان المعنى كيف تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وخلق عملكم ، وعملهم يشمل نحت الأصنام ويشمل عبادتهم فإذا كان خلقه لعملهم يقتضي أنه لا عمل لهم يصير الكلام متناقضا ويبطل معنى الانكار عليهم ، إذ يصير المعنى كيف تعبدونها وأنتم لا تعبدونها ؟ إذ الله هو الذي خلق هذه العبادة الصورية لكم ؟
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 144 | ابن تيمية / السيد محمد رشيد رضا