قلت : لا ريب في ذلك ، ولكن قد بينا لك أن الشرع إنما يحكم تأسيسا ، وهو المرجع
الأول فيما لاحكم فيه للعقل ، ففي دائرة الأحكام والتكاليف الشرعية - وضعية كانت أو
تكليفية - الإسلام يجب ما قبله ، ويذهب بالآثار الشرعية المترتبة على الأفعال التي
ارتكبها الشخص قبل إسلامه على التفصيل المذكور في الفقه ، أما الآثار الوضعية
الحقيقية فليست بتشريعية ، ولا تنالها يد الإنشاء والاعتبار ، فليست قابلة للمحو
بالإسلام والتوبة .
فتنفر الطباع عمن ارتكب قبائح الأعمال والشرور وعبد الأصنام قبل إسلامه
وتوبته لا يزول بها ، وكذا عدم الاعتماد على الكذابين والخائنين وأهل الفجور والشر
والفساد أمر طبيعي لا يمكن رفعه بالإنشاء . ومصلحة النبوات وتربية العباد ، وسياسة
أمورهم تقتضي أن يكون النبي والإمام من غيرهم ، وكم فرق بين من لم يكفر بالله
طرفة عين ، وكان له في سوالف عمره سوابق حسنة ، وكانت حياته مضيئة بالخيرات
مشرقة بالصلح والسلم والكرامة الإنسانية والرشد والصلاح ومنع الظلم ورحمة الأيتام
والضعفاء والمستضعفين ، وبين من مضى برهة من عمره في عبادة الأصنام والارتكاب
للقبائح حتى وأد البنات بقساوة شديدة قلما يرى مثلها في تاريخ الإنسان ( 1 ) .
وثالثا : عدم نيل عهد الله تعالى الظالم في حال ظلمه ، سيما إذا كان ظلمه عبادة
الأصنام وارتكاب الفجور ، والظلم على العباد بالاستعلاء عليهم واستضعافهم واضح ،
لا يحتاج توهمه إلى دافع ، سيما إذا كان السائل نبيا جليلا كإبراهيم الخليل الذي بلغ في
معرفة الله تعالى الغاية القصوى ، ودفع توهمه خلاف البلاغة ، فإذا ليس المراد منه إلا
مطلق من صدر عنه الظلم ، بل خصوص من صدر عنه الظلم في الماضي ، أو يعلم الله
هامش
( 1 ) وهذا عمر بن الخطاب قد دفن فيما روي ستا من بناته في الجاهلية وإن كان ليحفر لإحداهن الحفرة يريد أن
يئدها فيها فيتخلله غبار الحفر فتنفض البنت عن أبيها غباره ، وتمشط لحيته بأصابعها حنانا ورقة فلا يلين
ذلك من قلبه شيئا حتى إذا انتهى ، زجها في قبرها وأهال التراب بين بكائها وعويلها واستنجادها به يا أبتاه !
( الأستاذ محمد سعيد الأفغاني - مجلة حضارة الإسلام طبع دمشق ) ( ع 2 س 22 ص 21 ) .