صحيحة ، فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتّباع أمري ، ولكيلا تكون
كَلاّ على أهلك ، فإن شئت رزقتك ، وإن شئت قتّرت عليك وأنت معذور عندي ،
ورجلٌ رزقه اللّه مالا كثيراً فأنفقه ثمّ أقبل يدعو . يا ربّ ارزقني ، فيقول اللّه :
ألم أرزقك رزقاً واسعاً ، أفَلا اقتصدت فيه كما أمرتك ولم تسرف وقد نهيتك ،
ورجلٌ يدعو في قطيعة رحم " .
ثمّ علّم اللّه نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كيف ينفق ، وذلك أنّه كانت عنده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أوقية
من ذهب فكَرِه أن يبيت عنده شيء فتصدّق وأصبح ليس عنده شيء . وجاءه
من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه ، فلامه السائل ، واغتمّ هو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث لم يكن
عنده ما يعطيه وكان رحيماً رقيقاً ، فأدّب اللّه نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأمره إيّاه فقال :
( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) ( 1 ) ،
يقول : إنّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك ، فإذا أعطيت جميع ما عندك كنت
قد خسرت من المال . فهذه أحاديث رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصدّقها الكتاب ،
والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين .
وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له : أوصِ ، فقال : أُوصي بالخمس ،
والخمس كثير ، فإنّ اللّه قد رضي بالخمس ، فأوصى بالخمس ، وقد جعل اللّه
عزّ وجلّ له الثلث عند موته ، ولو علم أنّ الثلث خيرٌ له أوصى به .
ثمّ مَن قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر رضي اللّه عنهما ،
فأمّا سلمان ( رضي الله عنه ) فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضره عطاؤه
من قابل . فقيل له : يا أبا عبد اللّه ، أنت في زهدك تصنع هذا ، وإنّك لا تدري
هامش
( 1 ) سورة الأسرى ، الآية 31 .