لعلّك تموت اليوم أو غداً . فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم
عليّ الفناء ، أوَ ما علمتم يا جَهَلة أنّ النفس تلتات ( 1 ) على صاحبها إذا لم يكن لها
من العيش ما تعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت .
فأمّا أبو ذر ( رضي الله عنه ) فكانت له نويقات وشُويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى
أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة ، نَحَر لهم
الجزور أو من الشياه ، على قدر ما يُذهِب عنهم قَرَم اللحم فيقسمه بينهم ،
ويأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم . ومن أزهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم
رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما قال ، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً البتّة
كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم .
وأعلموا أيّها النفر أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه ( عليهم السلام ) أنّ
رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال يوماً : " ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن أنّه إن قرض
جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيراً له ، وإن ملك ما بين مشارق الأرض
ومغاربها كان خيراً له ، فكلّ ما يصنع اللّه عزّ وجلّ به فهو خيرٌ له " فليت شعري
هل يحيق فيكم اليوم ما قد شرحت لكم أم أُزيدكم ؟
أوَ ما علمتم أنّ اللّه جلّ اسمه قد فَرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل
الرجل منهم عشرة من المشركين ، ليس له أن يولّي وجهه عنهم ، ومن ولاّهم يومئذ
دبره فقد تبوّأ مقعده من النار ، ثمّ حوّلهم من حالهم رحمة منه فصار الرجل منهم
عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من اللّه عزّ وجلّ عن المؤمنين ،
فنسخ الرجلان العشرة .
هامش
( 1 ) أي تبطئ وتحتبس عن الطاعات .