قال السائل : فإنّا لم نجد موهوماً إلاّ مخلوقاً .
قال أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) : لو كان ذلك كما تقول ، لكان التوحيد منّا مرتفعاً
لأنّا لم نكلّف أن نعتقد غير موهوم ، لكنّا نقول : كلّ موهوم بالحواسّ مدرك بها
تحدّه الحواس ممثّلا ، فهو مخلوق ، ولا بدّ من إثبات كون صانع الأشياء خارجاً
من الجهتين المذمومتين : إحداهما النفي إذا كان النفي هو الإبطال والعدم ،
والجهة الثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف ، فلم يكن بدّ
من إثبات الصانع لوجود المصنوعين ، والاضطرار منهم إليه ، إنّهم مصنوعون ،
وإنّ صانعهم غيرهم وليس مثلهم ، إن كان مثلهم شبيهاً بهم في ظاهر التركيب
والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا ، وتنقلهم من صغر
إلى كبر ، وسواد إلى بياض ، وقوّة إلى ضعف ، وأحوال موجودة لا حاجة بنا
إلى تفسيرها لثباتها ووجودها .
قال الزنديق : فأنت قد حددته إذ أثبتّ وجوده ؟
قال أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) : لم أُحدّده ولكنّي أثبته ، إذ لم يكن بين الإثبات والنفي
منزلة .
قال الزنديق : فقوله ( الرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ) ( 1 ) ؟
قال أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) : بذلك وصف نفسه ، وكذلك هو مستول على العرش
بائن من خلقه ، من غير أن يكون العرش محلاّ له ، لكنّا نقول : هو حامل وممسك
للعرش ، ونقول في ذلك ما قال : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوات وَالأرْضَ ) ( 2 ) ، فثبّتنا
هامش
( 1 ) طه : 5 .
( 2 ) البقرة : 255 .