فبكت حتى علا نشيجها ( ! ! ! ) ثمّ قالت : نعم أرجع ، فإن أبغض البلدان إليّ بلدٌ أنتم فيه .
قالت ( كذا في المطبوع والصواب قلت ) : أما والله ما كان هذا جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أمّاً ، وجعلنا أباكِ لهم صدّيقاً .
قالت : أتمنّ عليَّ برسول الله يا بن عباس ؟ .
قلت : نعم ، نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننتِ به علينا .
قال ابن عباس : فأتيت عليّاً فأخبرته بما كان ، فقبّل بين عينيّ وقال : * ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) * ( 1 ) ، أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك ( 2 ) انتهت الرواية .
أمّا الّذي لا يمكن أن يقبله امرؤ ذو روية فما رواه المسعودي المؤرخ الحزبي فقد زعم أن عائشة قالت لعليّ بعد خطب طويل كان بينهما : « إني أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوك عند مسيرك .
هامش
( 1 ) آل عمران / 34 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 82 ، وانظر العقد الفريد 3 / 103 ، واليعقوبي 2 / 213 ، ولقد كان هذا الخبر - ان صح - أجدر أن يوجد في الطبري وأرجّح أنه راج بعده ( مات الطبري سنة 310 ) ولعله علم به وأهمله لكذبه . ومن أمعن في هذه الأقوال استبعد صدورها عن مثل ابن عباس ، فليس ممّا يرضاه ذوق أن تجابه امرأة مهزومة بمثل هذا فكيف بمثل عائشة مكانة وحرمة . والخبر مصنوع بأداة حزبية عصبية طبقية ، وإلا فابن عباس أصح عقيدة وأتقى لله من أن ينسب إلى أسرته ما هو من صنع الله ، وكلّ مسلم يعلم : أن زواج عائشة كان بوحي من الله ، وأن صديقية أبي بكر كانت هداية من الله وحده ، لا وساماً تمنحه أسرة . وكلّ ما مرّ بك آنفاً وما سيمرّ بك عاجلاً من معاملة عليّ لعائشة ومخالفيه . . . مبعد عن تصديق هذا الخبر الروائي . لقد كان ابن أبي الحديد ( أو صناع بعض أخباره على الأصح ) في كثير ممّا يروى : الصديق الجاهل للإمام كرم الله وجهه . والمشهور من نبل عليّ ودينه وسمو خلقه . . . يجعل المنصفين يضربون بكثير من هذه الروايات عرض الحائط . وقريب منه في ذلك ابن عباس . ( تعليقة سعيد الأفغاني بنصها وفصها ) .