قال طه حسين : « ورجع - الزبير إلى أم المؤمنين فقال لها : إني لا أرى في هذا الأمر بصيرة ، قالت : فتريد ماذا ؟ قال : أريد أن اعتزل الناس . وهنا يختلف المؤرخون ، فقوم يرون أنه مضى لوجهه حتى أدركه ابن جرموز فقتله في وادي السباع بأمر من الأحنف بن قيس أو عن غير أمر منه . وقوم يقولون : إن ابنه عبد الله عيّره بالجبن وقال له : رأيت رايات ابن أبي طالب وعلمت أن تحتها الموت فجبُنت . وما زال به حتى أحفظه فقال له الزبير ويلك إني قد حلفت لا أقاتل عليّاً . فقال عبد الله : ما أكثر ما يكفّر الناس عن أيمانهم فأعتق غلامك سرجيس وقاتل عدوك ، ففعل وانهزم مع الناس » .
ثمّ قال طه حسين : « ونحن إلى الرواية الأولى أميل ، فقد كان الزبير رقيق القلب شديد الخوف من الله شديد الحرص على مكانته من رسول الله ، وكانت حيرة شديدة منذ وصل إلى البصرة ورأى ما رأى من افتتان الناس واختلافهم ، وازدادت حيرته حين عرف أن عمّار بن ياسر قد أقبل في أصحاب عليّ ، وكان المسلمون يتسامعون بقول النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم لعمار : ويحك يا بن سميّة ! تقتلك الفئة الباغية ، فلمّا عرف أن عمّاراً في جيش عليّ أصابته رعدة شديدة إشفاقاً من أن يكون من هذه الفئة الباغية ، وقد تماسك مع ذلك حتى لقي عليّاً وسمع منه ما سمع ، وهنالك استبانت له بصيرته ، فانصرف عن القوم ولم يقاتل ، حتى قتل غيلة بوادي السباع » ( 1 ) .
ولا تعقيب لنا على ما قاله طه حسين سوى ما ختم به كلامه من قوله : « وهنالك استبانت به بصيرته فانصرف عن القوم ولم يقاتل » فأي بصيرة تلك الّتي استبانت له فانصرف عن القوم ولم يقاتل ؟ فإن انصرافه وحده كافٍ في إدانته !
هامش
( 1 ) الفتنة الكبرى ( عليّ وبنوه ) / 49 ط دار المعارف .