فأقبل الغلام حتى وقف بإزاء الصفوف ونشر المصحف وقال : هذا كتاب الله ( عزّ وجلّ ) وأمير المؤمنين يدعوكم إلى ما فيه . فقالت عائشة : إشجروه بالرماح قبّحه الله ، فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كلّ جانب ، وكانت أمه حاضرة فصاحت وطرحت نفسها عليه وجرّته من موضعه ، ولحقها جماعة من عسكر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أعانوها على حمله ، حتى طرحته بين يدي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهي تبكي وتقول :
يا ربّ إنّ مسلماً دعاهم * يتلو كتاب الله لا يخشاهم
يأمر بالمعروف من مولاهم * فخضّبوا من دمه قناهم
وأمهم قائمة تراهم * تأمرهم بالقتل لا تنهاهم ( 1 )
ولم يبرح إذ جاء من الميمنة عبد الله بن عباس ومعه عبد الله بن بديل ، يحملان ابناً لابن بديل - أو أخاً له - قد قتل بسهام القوم الطائشة ، فقال ابن بديل : حتى متى يا أمير المؤمنين ندلي نحورنا للقوم يقتلونا رجلاً رجلاً ، قد والله أعذرتَ إن كنت تريد الإعذار .
وعندها تهيأ للحرب ورفع يديه إلى السماء وقال : ( اللّهمّ إليك شخصت الأبصار ، وأفضت القلوب وأتقرب إليك بالأعمال ، ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين ) ، وأعطى الراية ولده محمّد ابن الحنفية ، ثمّ نادى : ( أيّها الناس لا تقتلوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تهيجوا امرأة ، ولا تمثلوا بقتيل ) ، فبينما يوصي أصحابه إذ أظلّتهم نبال القوم فقتل رجل من أصحابه فقال : اللّهمّ اشهد .
هامش
( 1 ) قارن الطبري 4 / 511 - 512 ط دار المعارف ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 431 ، والفتوح لابن أعثم 2 / 313 ، وأنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) 2 / 240 - 241 تح - المحمودي .