تساور عثمان حين يعيّرونه بأنه ليس من البدريين الّذي اطّلع الله عليهم فقال لهم اعملوا ما شئتم - هكذا يزعمون من يفخّمون - وقد كان عثمان مصرّاً على زجّ نفسه معهم .
فقد روى المحبّ الطبري في الرياض النضرة : « أن عبد الرحمن بن عوف مرض فأوصى بثلث ماله فصحّ فتصدق بذلك بيد نفسه . ثمّ قال يا أصحاب رسول الله كلّ من كان من أهل بدر له عليّ أربعمائة دينار فقام عثمان وذهب مع الناس فقيل له يا أبا عمر ألست غنيّاً ؟ قال هذه وصلة من عبد الرحمن لا صدقة . . . اه - » ( 1 ) .
وقد تفسر على أنّ تلهفه كان ليحسب من أهل بدر ، وهذا ما كان يشعره بمركب النقص بين الصحابة ومع ذلك فلم يجده نفعاً ، فقد بقي ابن عوف يعيّر عثمان بذلك كلما سنحت له الفرصة ! فقد روى البزار - بإسناد جيد - : « انّه - عثمان - عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له : لم ترفع صوتك عليّ ؟ فذكر الأمور الثلاثة . فأجابه عثمان بنحو ما مرّ » ( 2 ) .
قال طه حسين : « ويقول الرواة : إنّ عبد الرحمن بن عوف كان أوّل من اجترأ على عثمان ، فألفى بعض أمره وأطمع الناس فيه وذلك أن بعض السعاة أقبلوا بإبل الصدقة ، فوهبها عثمان لبعض أهل الحكم ، فلمّا بلغ ذلك عبد الرحمن دعا بعض أصحاب النبيّ وأرسلهم فأستردّوا له الإبل وقسّمها بين الناس ، وعثمان في الدار لم ينكر ذلك ولم يغيّره ، بل لم يكلّم فيه عبد الرحمن وأصحابه . . .
وقد جعل الناس بعد ذلك يظهرون إنكارهم لما يكرهون من سياسة عثمان . . .
هامش
( 1 ) الرياض النضرة 2 / 288 .
( 2 ) فتح الباري 8 / 60 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 ه - .