إن قريشا عندما تعلم بأن محمدا ومن معه قد جاؤوا لأداء العمرة ستندهش حتما ،
وستتخذ أحد موقفين ، فإما أن تأذن لهم بأداء العمرة ، أو تمنعهم من ذلك ،
فتحرج نفسها أمام العرب ، لإخلالها بواجبها نحو البيت المتمثل بحمايته وتسهيل
أمور حجاجه وزواره ، وعلى كل فإن الإذن أو المنع لا يحصل إلا بعد تردد
ومفاوضات ، وفي هذا مكسب للنبي صلى الله عليه وآله ، إذ أن في المفاوضة اعترافا رسميا
من البطون بوجوده بوصفه كيانا مقابلا لها .
أذاع النبي صلى الله عليه وآله قراره بأداء العمرة ، وأمر أصحابه بأن يتجهزوا ،
على أن يخرجوا بغير سلاح إلا السيوف في الأغماد ، وخرج من المدينة معتمرا
مع ( 1600 ) من أصحابه ( 35 ) .
بلغ قريش خبر خروج النبي وصحبه معتمرين ومعهم الهدي ، فراعها ذلك ،
واتخذت الترتيبات اللازمة لمنعهم من أداء العمرة ، فوضعت العيون على الجبال لرصد
تحركات النبي صلى الله عليه وآله ، وقدمت مئتي فارس إلى كراع الغميم ، واستنفرت من يطيعها
من الأحابيش ، واستعانت بثقيف ، وخرجت بطون قريش ومعها النساء والأطفال ،
وعسكر الجميع في منطقة بلدح ( 36 ) .
أحيط النبي صلى الله عليه وآله علما بقرار بطون قريش ، فاستقر في الحديبية ،
فهو ليس في عجلة من أمره ، وجاءه وفد من خزاعة وهم حلفاؤه وحلفاء آبائه وأجداده ،
فقال لهم : " إنا لم نأت لقتال أحد ، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت ، فمن
صدنا عنه قاتلناه " ( 37 ) ، وقام الخزاعيون بتبليغ رسالة النبي لقريش التي أرسلت
عروة بن مسعود ليتأكد من صحة ما نقله وفد خزاعة ، فعاد يؤكد لهم ذلك ،
وهو مبهور بشخصية النبي وبعمق العلاقة بينه وبين أصحابه .
وجاء رئيس الأحابيش حليس بن علقمة إلى مقر رسول الله ، فشاهد الهدي
المواجهة مع رسول الله ( الخلاصة ) — صفحة 51
مساهمون: أحمد حسين يعقوب
ص٥١