من يطعمه ، تلك هي سنة أبي بكر وعمر ! وهذا هو عدلهم ومودتهم للقربى ،
وهذا هو برهم ووفاؤهم لمحمد بن عبد الله !
ويبدو أن أبا بكر قد تنبه في لحظة من لحظات استيقاظ الضمير
إلى شناعة ما ارتكبه بحق آل محمد ، فاعتراه الندم ، ولكن بعد فوات الأوان .
لقد تذكر فاطمة تنادي بأعلى صوتها : " يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا
بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة : ( 68 ) ، واستعاد ما قالته فاطمة شخصيا له
ولعمر بن الخطاب وجها لوجه : " أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله تعرفانه
وتفعلان به ؟ قالا : نعم . فقالت : نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول :
رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد
أحبني : ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا :
نعم ، سمعناه من رسول الله ، فقالت الزهراء : فإني أشهد الله أنكما أسخطتماني
وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه . . . أنتحب أبو بكر حتى كادت
نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها ( 69 ) .
واستحضر تهديد عمر بن الخطاب لعلي بالقتل ، وكيف التحق علي بقبر النبي يبكي
ويصيح : " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " ( 70 ) .
تذكر أبو بكر كل ذلك وندم ، وأدرك أنه أول ضحايا هذا النظام الجديد
الذي أقامه عمر ، وخرج إلى الناس قائلا : " يبيت كل واحد منكم معانقا حليلته ،
مسرورا في أهله ، وتركتموني وما أنا فيه ، أقيلوني بيعتي " ( 71 ) .
ربما كان الرجل صادقا بالفعل ، ولكنه كان قد قطع على نفسه خط الرجعة ، ولم
يسمح له قادة الانقلاب وبالذات عمر بالإفلات ، كان لا بد له من البقاء ومواصلة الشوط ،
فهذه مرحلة انتقالية يجب أن يحل وزرها وهو مشرف على الموت ، وبموته يرثون دولة مستقرة .
المواجهة مع رسول الله ( الخلاصة ) — صفحة 128
مساهمون: أحمد حسين يعقوب
ص١٢٨