وهذا مقام لا يحققه أكثر مفتي العصر انتهى . وقال المقري في قواعده إثر نقله لهذا الكلام :
قلت : شرط التخصيص منافاة حكم الخاص للعام وإلا فهو تقييد . فإذا قال الله عز وجل :
* ( حرمت عليكم الميتة والدم ) * فإن قلنا : بعمومه يتناول المسفوح وغيره ولا يختص
بقوله : * ( دما مسفوحا ) * لموافقته له خلافا لأبي ثور . وإن قلنا : بإطلاقه تقيد
فمن ثم جاء القولان في تحريم الدم غير المسفوح انتهى . وقال في لباب اللباب القاعدة
السابعة : الفرق بين النية المؤكدة والمخصصة ، فالمؤكدة هي الموافقة لمدلول اللفظ والمخصصة
منافية مثل أن يقول : والله لا لبست ثوبا ونوى كتانا . قال عز الدين بن عبد السلام رحمه
الله تعالى : الفقهاء يفتون أنه لا يحنث إلا بالكتان ، والصواب أن يقال : يحنث في الكتان
باللفظ والنية لأن النية هنا مؤكدة ويحنث في غيره بعموم اللفظ ، وإن استحضر غير الكتان
في نيته ونوى إخراجه عن عموم اللفظ لم يحنث به لأن النية حينئذ مخصصة لأن من
شرط المخصص أن يكون منافيا انتهى . وقال ابن عبد السلام المالكي : تقييد المطلق لا يلزم منه
مخالفة الظاهر ، لأن المقيد يستلزم المطلق بخلاف تخصيص العام فإنه يلزم منه مخالفة الظاهر
لأن الدليل اللفظي يقتضي ثبوت الحكم لصورة أو صور والنية المخصصة تنفي ذلك الحكم
عن تلك الصور انتهى . فتبين مما ذكرناه أن المنافاة إنما هي شرط في المخصصة لا في المقيدة ،
ومفهوم قوله : إن نافت أنها إن لم تناف تخصص وهو كذلك وهو النية المؤكدة وهو
معنى قول ابن عبد السلام . ولا خفاء أن النية إن كانت موافقة لظاهر اللفظ أنها مقبولة في
القضاء والفتيا انتهى . وهو معنى قول ابن عرفة والنية إن وافقت ظاهر اللفظ اعتبرت اتفاقا
انتهى . وقوله : وساوت يعني إذا قلنا : من شرط النية المخصصة أن تكون منافية فمن شرطها
أيضا أن تكون منافاتها وعدم منافاتها على حد السواء لأن المنافية على أربعة أوجه : الأول :
أن تخالف النية ظاهر اللفظ بأشد من مدلوله كمن حلف لا يأكل زيتا فيقول أردت سائر
الادهان . الثاني : أن تخالف ظاهر اللفظ ويكون قصد مخالفتها اللفظ وقصد عدم مخالفتها
له سواء ، أي يمكن أن يقصد باللفظ الصادر عنه ما ادعى أنه أراده ، ويمكن أن لا يقصد
على حد السواء كما ذكر ابن غازي . الثالث : أن تخالف ظاهر اللفظ وتوافق الاحتمال
المرجوح القريب من التساوي . الرابع : أن تخالف ظاهر اللفظ وتوافق الاحتمال المرجوح البعيد
جدا . فقال المصنف : من شرط النية المخصصة أن تكون منافية كما تقدم ، ومن شرطها أن
تكون منافاتها وعدم منافاتها على السواء كما تقدم ، فإذا كانت كذلك فتكون مخصصة
وتقبل في القضاء والفتيا . وهذا يفهم من إطلاق المصنف هنا وتقييده في الوجه الثالث أعني
الثاني في كلامه بقوله إلا لموافقة .
تنبيهان : الأول : قال ابن بشير : لكن يستظهر عليه بيمين أنه أراد ما ادعاه إن نواه . قال
ابن عبد السلام : هو مما تتردد فيه الأشياخ وهو من أيمان التهم ، والأقرب هنا توجهها احتياطا
مواهب الجليل — صفحة 429
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٤٢٩