تفاحش وجب القطع وكأنه رأى أن البناء رخصة وذلك يؤذن بالطلب وإن تفاحش
انتهى .
قلت : لا ينبغي أن يحمل كلام ابن هارون على البناء ولو تفاحش البعد فإنه مخالف
لنصوص المذهب ، وأيضا فوجه البطلان ظاهر وهو كثرة المنافي فتأمله والله أعلم .
فرع : إذا رعف المتيمم في الصلاة ووجد ما يغسل به الدم فإنه يغسله ويبني ولا يبطل
تيممه ، لأنه دخل في الصلاة بشروطها فلا يبطلها طرو الماء . قاله صاحب الجمع في آخر الكلام
على الرعاف والله أعلم . وقال في الطراز : من افتتح الصلاة بالتيمم ثم صب المطر أو جاء الماء بعد
ذلك لم يبطل تيممه ، فإن رعف غسل الدم ولم تبطل صلاته ، فإن كان ممن يرجح قطع الصلاة
بالرعاف ، فلما قطع كان ما وجده من الماء بقدر ما غسل الدم فقط ، فهل يبطل تيممه أم لا وهو
مذهب الشافعي وذلك لأمرين : أحدهما أنه لما اشتغل بطهارة النجس قطع اتصال تيممه بالصلاة .
والثاني أنه لما وجد الماء اليسير وجب عليه أن يبحث عنه وعن سببه ، فلعله يقدر على زيادة ،
ووجوب الطلب يبطل تيممه حتى يتحقق عدم الماء . وقوله : ويستدبر قبلة بلا عذر وهذا هو
الشرط الثالث وهو أن لا يستدبر القبلة من غير عذر ، فإن استدبرها من غير عذر بطلت صلاته .
قال اللخمي : وإذا استدبر الراعف القبلة لطلبه الماء لم تبطل صلاته . وقال في الطراز : إن أمكنه
طلب الماء وهو مستقبل القبلة فلا يستدبرها للضرورة فلا شئ عليه انتهى . وقال في
الذخيرة : ولا يشترط استقبال القبلة . قاله اللخمي وصاحب الطراز انتهى . ويريد إذا كان ذلك
لضرورة كما قالوا ونحوه قول ابن ناجي في شرح المدونة : ظاهر كلامه المدونة أنه لا يشترط في غسل
الدم للبناء أن يكون مسيره لجهة القبلة وهو كذلك انتهى . وقد علم من كلامهم أن الضرورة هو
كون الماء في غير جهة القبلة وهو القدر الذي أراده المصنف بقوله : بلا عذر . وقال ابن غازي :
قوله : ويستدبر قبلة بلا عذر كذا صرح به ابن العربي وهو المفهوم من كلام اللخمي وسند .
تنبيهات : الأول : ظاهر كلام ابن غازي أن ما قاله ابن العربي موافق لكلام المصنف ،
والذي نقله ابن فرحون وصاحب الجمع عنه خلاف ذلك . قال ابن فرحون : المعروف من
المذهب أنه يخرج كيفما أمكنه سواء استدبر القبلة في خروجه أو لا ، إلا أنه يستحب له
المحافظة على استقبال القبلة ما أمكنه . قاله القاضي عبد الوهاب . وقال القاضي أبو بكر : لا
يخرج إلا بشرط أن لا يستدبر القبلة . وهو قول بعيد لم يعول عليه أحد من الشيوخ لعدم تمكنه
من ذلك غالبا ، ونحوه لصاحب الجمع وزاد في آخره فلا يلتفت إليه .
الثاني : ما ذكره ابن فرحون وصاحب الجمع أوله موافق لكلام المصنف وما تقدم ، وقوله :
إلا أنه يستحب له مخالف فتأمله . وقال الشبيبي في شرح الرسالة بعد أن ذكر كلام اللخمي
وخالفه غيره في ذلك وقال بالبطلان .
الثالث : إذا وجد ماء قريبا لكنه يستدبر القبلة إذا خرج إليه وفي جهة القبلة ماء أبعد
مواهب الجليل — صفحة 153
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص١٥٣