الحمد للَّه حق قدره ، متبعين أمره ، أحمده كما أحب ، ولا إله إلا اللَّه الواحد الأحد الصمد كما انتسب . أيها الناس كل امرئ لاق في فراره ما منه يفر ، والأجل مساق النفس إليه ( 1 ) والهرب منه موافاته ، كم اطردت الأيام ( 2 ) أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى اللَّه عن ذكره إلا إخفاءه ، هيهات علم مكنون . أما وصيّتي فان لا تشركوا باللَّه جل ثناؤه شيئا . ومحمد صلَّى اللَّه عليه وآله فلا تضيعوا سنته أقيموا هذين العمودين ، وأوقدوا هذين المصباحين وخلاكم ذم ما لم تشردوا ( 3 ) . حمل كل امرئ منكم مجهوده ، وخفف عن الجهلة رب رحيم ، وإمام عليم ، ودين قويم ( 4 ) . أنا بالأمس صاحبكم ، وأنا اليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم . إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك ، وان تدحض القدم ( 5 ) فانا كنا في أفياء أغصان وذرى رياح ، وتحت ظل غمامة اضمحل في الجو متلفقها ، وعفى في الأرض مخطها ( 6 ) ، وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما وستعقبون
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 237
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص٢٣٧
هامش
( 1 ) مساق النفس : تسوقها إليه أطوار الحياة حتى توافيه .
( 2 ) أطردت الأيام : صيرتها طريدة لي اتبع بعضها بعضا بالبحث عن كيفية قتلي ، وتعرف مكنون هذا الأمر : أي الذي دفع له من القتل ، وان كان قد أخبره رسول اللَّه بالكيفية ولكن ( ليس الخبر كالمعاينة ) .
( 3 ) أي عداكم الذم إذا وحدتم اللَّه سبحانه ، واتبعتم سنة رسوله صلى اللَّه عليه وآله ، وهو داخل في باب الاستعارة إذ شبه توحيد اللَّه ورسوله بعمودي الخيمة تقوم عليهما ، وبمصباحين يستضاء بهما .
( 4 ) أي أن التكليف بذلك يتفاوت بحسب الطاقات والتحمل ، فالعلماء مثلا يختلف تكليفهم عن تكليف العامة .
( 5 ) دحضت القدم : زلت وزلقت .
( 6 ) اضمحل : تقشع ، ومتلقفها : ما اجتمع منها والتلفيق الجمع ، وعفا : درس ، ومخطها : أثرها والضمير في متلقفها للغمام ، وفي مخطها للرياح .