تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
كلام صنعه قوم من فصحاء الشيعة ، وربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره ، وهؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم ، فضلوا عن النهج الواضح ، وركبوا بينات الطريق ضلالا وقلة معرفة بأساليب الكلام . وانا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فأقول : إمّا أن يكون كل ( نهج البلاغة ) مصنوعا منحولا ، أو بعضه ، والأول باطل بالضرورة ، لأنا نعلم بالتواتر صحة اسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم والمؤرخون كثيرا منه ، وليسوا من الشيعة لينتسبوا إلى غرض في ذلك ، والثاني يدل على ما قلناه ، لأن من أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفا من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح الأفصح ، وبين الأصيل والمولد ، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط فلا بد أن يفرق بين الكلامين ويميّز بين الطريقتين ، ألا ترى انا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه وطريقته ، ومذهبه في القريض ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة اليه لمباينتها لمذهبه في الشعر وكذلك حذفوا من شعر أبي نؤاس شيئا كثيرا لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ، ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ولم يعتمدوا في ذلك الا على الذوق خاصة وأنت إذا تأملت ( نهج البلاغة ) وجدته كله ماء واحدا ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا كالجسم البسيط الذي ليس بعض من ابعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهية وكالقرآن العزيز أوله كأوسطه ، وأوسطه كآخره ، وكل سورة منه وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفنن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور ، ولو كان بعض ( نهج البلاغة ) منحولا ، وبعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك ، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 203 | السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب