بين النص والاجتهادات الشخصية
ولتضفي شيع البطون الشرعية الدينية على اجتهاداتها وقناعاتها رفعت شعار
( حسبنا كتاب الله ) أي أن كتاب الله يغني عن حديث النبي ، ويغني عن وصيته ،
ويغني عن النبي نفسه عند الاقتضاء . فطالما أن كتاب الله موجود فهو يكفي ، ولا
حاجة لسواه . وقد رفعت شيع البطون هذا الشعار في مواجهة النبي نفسه ، فعندما
أراد الرسول في أثناء مرضه أن يكتب توجيهاته النهائية للأمة ، قال قائل البطون :
( إن النبي يهجر ، حسبنا كتاب الله ) ( 1 ) . وما أن أتم قائل شيع البطون قوله حتى قال
من حضر من الشيع : ( القول ما قال فلان ، إن النبي يهجر حسبنا كتاب الله ) ( 2 ) .
وهكذا صدمت شيع البطون خاطر النبي الشريف فصرف النظر عن كتابة توجيهاته
النهائية ، لأن الكتابة في ذلك الجو صارت بمثابة باب من أبواب الفتنة .
ولما تسلم أبو بكر الخلافة جمع الناس وخطبهم قائلا " : ( إنكم تحدثون
أحاديثا " تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا " ، فلا تحدثوا عن الرسول الله
شيئا " ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ) ( 3 ) ، وليسد أبو بكر باب
الاختلاف الذي ينتج عن أحاديث رسول الله نهائيا " ، وليضمن وحدة الأمة خلف
قرآنها بات يتقلب ليلة كما تروي ابنته السيدة عائشة . وعندما أصبح الصباح ، قام
أبو بكر بحرق الأحاديث التي سمعها شخصيا " من رسول الله ، وقام بكتابتها بنفسه .
وهكذا ينقطع دابر الخلاف والاختلاف ويصبح كتاب الله وحده هو الحاكم والحكم !
وعند ما آلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب كان أول مشاريعه أن طلب من
الناس وناشدهم ليأتوه بأحاديث الرسول التي كتبوها ، وظن الناس أن عمر يريد أن
هامش
( 1 ) راجع : تذكرة الخواص لابن الجوزي ص 62 ، وسر العالمين وكشف ما في الدارين
لأبي حامد الغزالي ص 21 .
( 2 ) راجع صحيح البخاري 1 / 37 و 2 / 132 ، و 4 / 31 و 7 / 9 ، وصحيح مسلم 2 / 16
و 5 / 75 ، وصحيح مسلم بشرح النووي 11 / 94 - 95 ، وتاريخ الطبري 2 / 192 ،
والكامل لابن الأثير 2 / 320 ، ومسند الإمام أحمد 1 / 2 و 3 / 286 .
( 3 ) راجع تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 2 - 3 .