التشيع في عهد الخلفاء الثلاثة :
لما أراد النبي أن يكتب توجيهاته النهائية ، وهو على فراش الموت وجد
نفسه وجها " لوجه أمام بطون قريش : مهاجرها وطليقها ، ومن خلف البطون
المنافقون والمرتزقة من الأعراب ! وجد نفسه أمام حزب منظم وقوي يقوده صهره
عمر بن الخطاب ، فما أن قال النبي : قربوا أكتب لكم كتابا " لن تضلوا بعده أبدا " ،
حتى قال عمر بن الخطاب : إن النبي يهجر ، حسبنا كتاب الله ! وعلى الفور رددت
البطون وحلفاؤها : القول ما قال عمر ! إن النبي يهجر ! ونجحوا في الحيلولة بين
النبي وبين كتابة ما أراد . لقد تيقن النبي والقلة المؤمنة التي اصطفاها لتشهد كتابة
توجيهاته النهائية . إنهم أمام الفتنة بعينها ، وإن بطون قريش التي هزمها النبي ، وهي
على الشرك ، جاءت لتهزم النبي تحت مظلة الإسلام ! وإنها تهدف إلى هدم كافة
الترتيبات الإلهية المتعلقة بالإمامة والقيادة والولاية من بعد النبي ، وإنها تستعد
لغصب حق أهل بيت النبوة الشرعي في القيادة ، والاستيلاء عليها بالقوة والتغلب
والقهر ، وتقديم الدين على طريقة البطون . لقد قدرت البطون ودبرت فأحكمت
التدبير ، فلو أصر النبي علي كتابة توجيهاته لأصرت البطون وحلفاؤها على هجر
النبي ; وفي ذلك هدم للدين وإبقائه طريقا " لملك البطون ، وقدر النبي أن عهوده
ومواثيقه اللفظية وتأكيداته التي تكررت تكفي المؤمنين ليحموا الشرعية الإلهية
بسواعدهم ، فإن تخاذلوا عن حمايتها فسيذلوا ويحرموا نعمة هذه الشرعية الإلهية ،
وسيتفرقوا . وإن تفرقوا لن يجتمعوا إلا بالعودة إلى هذه الشرعية بعد أن يمسهم
الشيطان بنصب وعذاب . وخرجت البطون من بيت النبي منتصرة ، واغتنمت فرصة
انشغال أهل بيته بتجهيزه وتكفينه ، ونصبت خليفة ، وبايعته بطون قريش ، وبايعه
المنافقون والمرتزقة من الأعراب ، وأصحاب المصالح من الأنصار ، وعزل أهل بيت
النبوة وبنو هاشم والقلة المؤمنة وصاروا أقلة كما كان وضعهم في مكة قبل الهجرة .
وواجه الإمام علي وأهل البيت والفئة المؤمنة واقعا " سياسيا " لا طاقة لهم بمواجهته ( 1 ) .
هامش
( 1 ) راجع كتابينا : نظرية عدالة الصحابة ، ص 286 وما بعدها ، والمواجهة مع رسول الله وآله ،
ص 360 فتجد التفصيل ومئات المراجع المعتمدة عند أهل السنة .