تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وكان يقول في محبسه في القلعة : لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة ، أو قال : ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا . وكان يقول في سجوده وهو محبوس : « اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » ما شاء الله . وقال لي مرة : المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى ، والمأسور من أسره هواه . ولما أدخل إلى القلعة وصار داخل السور نظر إليه وقال : { فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } [ 13 / 57 ] . وعلم الله ما رأيت أحدا ، أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيس وخلاف الرفاهية والنعيم ، بل ضدها ، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق ، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا ، وأقواهم قلبا ، وأسرهم نفسا ، تلوح نضرة النعيم على وجهه . وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه : فيذهب ذلك كله ، وينقلب انشراحا ، وقوة ويقينا وطمأنينة . فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه ، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها ( 1 ) . قال ابن القيم رحمه الله : وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام رحمه الله قال : كان في بداية أمره يخرج أحيانا إلى الصحراء يخلو عن
هامش
( 1 ) الوابل الصيب ص 105 ، 106 والمدارج ج - 1 / 431 ، 454 وللفهارس ج - 1 / 192 .