والرحمة قلوبكم معاشر اليهود ( مِّنم بَعْدِ ذَلِكَ ) من بعد ما بيّنت من الآيات الباهرات في زمان موسى 7 ، ومن الآيات المعجزات التي شاهدتموها من محمّد .
( فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ ) اليابسة لا ترشّح برطوبة ، ولا ينتفض منها ما ينتفع به ، أي أنّكم لا حقّ اللّه تعالى تؤدّون ، ولا [ من ] أموالكم ، ولا من مواشيها تتصدّقون ، ولا بالمعروف تتكرّمون وتجودون ، ولا الضيف تقرءون ، ولا مكروباً تغيثون ، ولابشيء من الإنسانيّة تعاشرون وتعاملون .
( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) إنّما هي في قساوة الأحجار ( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) أبهم على السامعين ، ولم يبيّن لهم كما يقول القائل : أكلت خبزاً أو لحماً ، وهو لا يريد به إنّي لا أدري ما أكلت ، بل يريد [ به ] أن يبهم على السامع حتّى لا يعلم ماذا أكل ، وإن كان يعلم أنّه قد أكل ، وليس معناه بل أشدّ قسوة لأنّ هذا استدراك غلط ، وهو عزّ وجلّ يرتفع [ عن ] أن يغلط في خبر ثمّ ، يستدرك على نفسه الغلط ، لأنّه العالم بما كان ، وبما يكون ، وبما لا يكون ، أن لو كان كيف كان يكون ، وإنّما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص .
ولا يريد به أيضاً فهي كالحجارة أو أشدّ أي وأشدّ قسوة ، لأنّ هذا تكذيب الأوّل بالثاني لأنّه قال : ( فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ ) في الشدّة لا أشدّ منها ولا ألين . فإذا قال بعد ذلك : ( أَوْ أَشَدُّ ) فقد رجع عن قوله الأوّل أنّها ليست بأشدّ ، وهذا مثل أن يقول : لا يجيء من قلوبكم خير لا قليل ولا كثير .
فأبهم عزّ وجلّ في الأوّل حيث قال : ( أَوْ أَشَدُّ ) .
وبيّن في الثاني أنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة لا بقوله ( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) ، ولكن بقوله تعالى : ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَْنْهَرُ ) أي فهي في القساوة بحيث لا يجيء منها الخير [ يا يهود ] ، وفي الحجارة ما يتفجّر منه الأنهار ، فيجيء بالخير والغياث لبني آدم .
موسوعة الإمام العسكري ( ع ) — صفحة 89
مساهمون: مؤسسة ولي العصر ( عج ) للدراسات الإسلامية
ص٨٩