تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتمة المستدرك — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
الفائدة صفرا ، وذلك أن الزيادات والنقائص في الكلام إنما يضطر إليها يحمل عليها الشعر ، الذي هو مقيد بالأوزان والقوافي ، وينتهي إلى غايات ومرام ، فإذا نقصت أجزاء كلامه قبل إلحاق القافية التي هي الغاية المطلوبة اضطر الانسان إلى أن يزيد في الحروف ، فيمد المقصور ، ويقطع الموصول ، وما أشبه ذلك . وإذا زاد كلامه وقد هجم على القافية فاستوقفته عن أن يتقدمها ، وأخذت بمخففه دون تجاوزها ، اضطر صاحبه إلى النقصان من الحروف ، فقصر الممدود ، ووصل المقطوع وما أشبه ذلك ، حتى يعتدل الميزان ، وتصح الأوزان . فاما إذا كان الكلام محلول العقال ، مخلوع الإزار ، ممكنا من الجري في مضماره ، غير محجوز بينه وبين غاياته ، فإن شاء صاحبه أرسل عنانه فخرج جامحا ، وإن شاء قدع لجامه فوقف جانحا ، لا يحصره أمد دون أمد ، ولا يقف به حد دون حد ، فلا تكون الزيادات فيه إلا عيا واستراحة ، وتغوثا وإلاحة ، وهذه منزلة نرفع عنها كلام الله سبحانه الذي هو المتعذر المعوز ، والممتنع المعجز ، وكل كلام إنما هو مصل خلف سبقه ، وقاصر عن بلوغ أدنى غاياته ، بل قد يرتفع عن بلوغ هذه المنزلة كلام الفصحاء المقدمين ، والبلغاء المحدثين ، فضلا عما هو أعلى طبقات الكلام ، وأبعد عن مقدورات الأنام ، وإني لأقول - أبدا - لو كان كلام يلحق بغباره ، أو يجري في مضماره بعد كلام الرسول صلى الله عليه وآله ، لكان ذلك كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، إذ كان منفردا بطريقة الفصاحة ، لا تزاحمه عليها المناكب ، ولا يلحق بعقوه فيها الكادح الجاهد . ومن أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك ، فليمعن النظر في كتابنا الذي ألفناه ووسمناه بنهج البلاغة ، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع الأنحاء والأغراض والأجناس
خاتمة المستدرك — صفحة 196 | ميرزا حسين النوري الطبرسي / مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث