ومن كلمة زكي بيضون رحمه الله « 1 » :
ليست عظمة العظيم في التأريخ إلّا بمقدار ما للعبقريّة من قوى ذاتيّة ، تفيض بها الحياة ، فتصدر في وجودها منطلقة إلى أبعد ما يقدّر لها أن تنتهي إليه من عوامل التجديد والتحويل .
وفقيد الإسلام العظيم الذي زلزل نعيه العالمين - العربي والإسلامي - هو واحد من هؤلاء العظماء ، عظماء التأريخ الخالدين ، الذين لم يكن ليقوم تعريفهم الشخصي على مفهوم واحد من مفاهيم الحياة .
وكلّ ما يمكن أن يقتصر ليجزئ في التعريف هو أنّه ينبوع معطاء من ينابيع العبقريّة ، فاض على البشر بالخير ، فأخذ كثيرا وأعطى كثيرا .
أخذ علما فأعطى به علما وهداية ؛ لأنّ العبقريّة هي التي تحسن أن تستوعب العلم ، لتحسن التصرّف به ، وهي التي تحسن أن تفهم الحقّ ، لتنفذ معه إلى معانيه في الحياة ، كآيات في الكون والتأريخ .
ومجد العظيم في أن لا توطّأ له الأكناف ، ولا تمهّد له السبل ، وإنّما يجري إلى غايته في طريق يشقّها ويمهّدها ، وأشواك يدوسها ويقتلعها ، وعقبات يزيلها من أمامه ، وصعاب لا يحفل بها .
فهذا التأريخ العلمي البطولي في أكثر من نصف قرن لم يخل يوما من جهاد العظيم المعلّم ، يبعث في النفوس حقائق الإيمان قائمة على قواعد الإسلام وأخلاقه السمحة .
لم يخل يوما من محاربة الأهواء والبدع ؛ ليعيد للإسلام السمح معانيه الأصيلة الممتدّة في جذور الحياة ، وكانت عدّته في ذلك أخلاقه النبويّة ، وشجاعته
هامش
( 1 ) - . أديب ناضج قويّ الأسلوب ، وكاتب باحث جيّد القلم ، ولد سنة 1327 ، وكان غاية في كرم الأخلاق والنجابة ، وحسن السيرة والسريرة ، حلو المجلس ، يؤنس سامعيه بأدبيّاته ومحفوظاته ، له مؤلّفات منها : كتاب في سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، توفّي - مأسوفا عليه من محبّيه - بحادث سيّارة سنة 1390 .