ولنقرأ ما يقوله السيّد نفسه عن جدّه السيّد هادي ، وكان قد أمضى فترة دراسته في النجف برعايته : « . . . وكم كنت أرجع إليه في مشكلات المنطق والعلوم العربيّة فيثلج غلّتي بما ينفيه عنّي من معتلج الريب . . . وكان على جلالته وشيخوخته يقبل على مباحثتي بانبساطه ، ويسترسل إلى مناظرتي بأنسه ، ويحملني على مناقشته . . . » « 1 » .
ويعود الأمر الثاني إلى المناخ الذي كان يعيشه الطالب في بيئته الدراسيّة في النجف الأشرف ، الجامعة الإسلاميّة التي مرّ على تكوينها أكثر من ألف عام ، فقد امتازت هذه الجامعة كما يقول السيّد محمّد تقيّ الحكيم ، أستاذ الأصول في كلّيّة منتدى النشر : « بفتحها على طلّابها أبواب الاجتهاد ، وتركها المجال للعقول تتصارع في سبيل البلوغ إلى الحقّ عن طريق الجدل العلمي » « 2 » .
وقد تأصّل هذا النوع من الجدل والصراع ممّا أكسب بحوثها صفة العلميّة والتواضع وسرعة التنازل للحقّ ، ويؤكّد الأستاذ حسين مروّة هذه الحقيقة عندما يتحدّث عن جامعة النجف التي أمضى فيها ردحا من شبابه .
يسأل الأستاذ مروّة : « من أين وكيف تتكوّن هذه الرؤية - الشهادة ؟ » أي : شهادة جامعة النجف - . ويجيب : تتكوّن بفعل التقاليد التأريخيّة الإيجابيّة لهذا الوسط الدراسي - كما عرفنا - في أخريات العهد بهذه التقاليد ، فهي تقاليد تنهض أساسا على أنّ العلاقة بين الأستاذ والطالب ليست علاقة التلقّي والاستماع ، وإنّما هي علاقة حوار ومناقشة حتّى منتهى الصراحة ، ومنتهى الحرّيّة للطالب أن يبحث موضوع الدرس خارج الكتاب المقرّر ، وخارج النصّ الراهن ، وخارج رأي الأستاذ .
وأمّا ثانيا : فإنّ اللقاءات اليوميّة بين أهل هذا الوسط الدراسي من أساتذة وطلبة لا يمكن أن تحدث دون أن تطرح فيها مسألة مّا . . . وحين تنظر المسألة لابدّ أن يكون لكلّ من يحضر اللقاء صوت ورأي وموقف . . . .
هامش
( 1 ) - . المصدر : 13 .
( 2 ) - . المصدر : 63 في مقدّمة السيّد محمّدتقي الحكيم .