وأما إذا لم يكن استعمال الماء مضرا ، بل كان موجبا للحرج
والمشقة - كتحمل ألم البرد أو الشين مثلا - فلا تبعد الصحة ( 1 )
شرح
التقرب به ، لامتناع التقرب بما هو معصية ، لأن المعصية مبعدة ، والمبعدية
والمقربية ضدان في نظر العقلاء لا يمكن اجتماعهما في محل واحد ولو من
جهتين ، كما هو محرر في مسألة اجتماع الأمر والنهي .
فإن قلت : هذا يتم لو كان استعمال الماء محرما نفسيا ولو لانطباق
عنوان محرم عليه . أما لو كان محرما غيريا لكون الحرام النفسي هو الضرر
المترتب عليه فقد تقرر في مبحث مقدمة الواجب أن الوجوب الغيري لا يصلح
للمقربية ، وكذا الحرمة الغيرية لا تصلح للمبعدية ، بل المقربية والمبعدية إنما
تكونان بنفس فعل الواجب أو الحرام المترتبين عليهما ، وإذا لم يكن استعمال
الماء مبعدا لا مانع من أن يكون مقربا .
قلت : الوجوب والحرمة الغيريان إنما لا يوجبان قربا وبعدا بلحاظ
نفسهما في قبال الوجوب والحرمة النفسيين . أما بلحاظ كونهما في شؤونهما
فهما يوجبان القرب والبعد أيضا ، إذ لا ريب في كون السعي إلى انقاذ
ولد المولى انقيادا إلى أمره بانقاذ ولده ، كما أن السعي إلى قتل ولد المولى تمردا
عن نهي المولى عن قتل ولده ، والقرب والبعد إنما ينتزعان عند العقلاء
من الانقياد والتمرد ، ولذا بنى الأصوليون بطلان العبادة إذا كانت ضدا
للواجب على كون ترك الضد مقدمة لفعل ضده . وتحقيق ذلك كله يطلب
من محله . فراجع .
( 1 ) كما مال إليه في الجواهر ، لأن أدلة الحرج لما كانت امتنانية لم
تصلح أن ترفع إلا فعلية وجوب الوضوء الحرجي ، ولا ترفع ملاكه ،
إذ ليس في رفع الملاك امتنان ، وإذا كان الملاك باقيا أمكن التعبد به