وكان الكلب خيرا منه حقا * لأن الكلب طبع أبيه فيه ( 1 )
الثانية : إن الملا حسن الكاشاني الذي هو رجل ظريف كان مصاحبا
للعلامة حين حضوره عند السلطان وجريان المباحثة عنده ، فلما تشيع السلطان وتم
الأمر توجه الملا حسن إلى السلطان وقال : أريد أن أصلي ركعتين على مذهب
الفقهاء الأربعة وركعتين على المذهب الجعفري ، واجعل السلطان حاكما بصحة
أي الصلاتين .
فقال الملا حسن : أبو حنيفة مع أحد الفقهاء الأربعة يجوز الوضوء بالنبيذ ، وكذا
يذهب إلى أن الجلد بالدباغة يطهر ، وكذا يجوز بدل قراءة الحمد وسورة قراءة آية
واحدة حتى إذا كانت بالترجمة ، ويجوز السجود على نجاسة الكلب ، ويجوز بدل السلام
بعد التشهد إخراج ضرطة .
فتوضأ الملا حسن بالنبيذ ، ولبس جلد الكلب ، ووضع خرء الكلب موضع
سجوده وكبر ، وبدل قراءة الحمد وسورة قال : دوبرك سبز ، بمعنى : مدهامتان ، ثم
ركع ، ثم سجد على خرء الكلب ، وأدى الركعة الثانية مثل الأولى ، ثم تشهد ، وبدل
السلام أخرج من دبره ضرطة ، وقال : هذه صلاة أهل السنة .
ثم مع كمال الخضوع والخشوع صلى تمام الركعتين على مذهب الشيعة .
فقال السلطان : معلوم أن الأولى ليست صلاة ، بل الصلاة الموافقة للعقل هي
الثانية ( 2 ) .
هامش
( 1 ) لؤلؤة البحرين : 226 224 ، مجالس المؤمنين 2 / 571 و 572 .
( 2 ) قصص العلماء : 359 و 360 .
وحدثت مثل هذه الواقعة قبلها أمام السلطان محمود بن سبكتكين ، نقل القاضي ابن خلكان عن
عبد الملك الجوني إمام الشافعية المتوفى 478 في كتابه الذي سماه مغيث الحق في اختيار الأحق :
أن السلطان محمود كان على مذهب أبي حنيفة ، وكان مولعا بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون الحديث
من الشيوخ بين يديه وهو يسمع ، وكان يستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي ،
فوقع في جله حكة فجمع الفقهاء من الفريقين من مرو ، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد
المذهبين على الآخر ، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي وعلى
مذهب أبي حنيفة ، لينظر السلطان ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما ، فصلى القفال المروزي أحد علماء
الشافعية بطهارة مسيغة وشرائط معتبرة من الطهارة والستر واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان
والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتمام ، وقال : هذه صلاة لا يجوز الإمام
الشافعي دونها ، ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة ، فلبس جلد الكلب مدبوغا ، ولطخ ربعه
بالنجاسة وتوضأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف في المفازة ، فاجتمع عليه الذباب والبعوض ،
وكان وضوؤه منكسا منعكسا ، ثم استقبل القبلة وأحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء ، وكبر
بالفارسية [ ثم قرأ آية بالفارسية ] : دو برك سبز أي : ورقتان خضراوتان ، وهو معنى قوله تعالى في سورة
الرحمن : ( مدهامتان ) ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع ، وتشهد ، وضرط
في آخره من غير السلام ، وقال : أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة ، فقال السلطان : لو لم تكن هذه
الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك ، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين ، وأنكر الحنفية أن تكون
هذه صلاة أبي حنيفة ، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ
المذهبين جميعا ، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال ، فأعرض السلطان عن
مذهب أبي حنيفة وتمسك بمذهب الشافعي . وفيات الأعيان 5 / 180 و 181 .
أقول : الخرافات القبيحة الموجودة في مذهب الشافعي ومذهب أخويه لا تقل عن مذهب أبي حنيفة ،
ولو ارددنا ذكر بعضها لخرجنا عن صلب البحث فنرجئها إلى موضع آخر .