في ذلك فيجوز ، فقد تؤدي المضايقة إلى المفارقة . ثم شرع في الواجب الثاني ، وهو الادم ، فقال : ( ويجب ) للزوجة
على زوجها الادم ، وجنسه ( أدم غالب البلد كزيت ) وشيرج ( وسمن وجبن وتمر ) وخل ، لقوله تعالى :
* ( وعاشروهن بالمعروف ) * ، وليس من المعاشرة بالمعروف تكليفها الصبر على الخبز وحده ، إذ الطعام غالبا لا يساغ إلا
بالادم . وقال ابن عباس في قوله تعالى : * ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) * : الخبز والزيت ، وقال ابن عمر : الخبز والسمن .
( ويختلف ) قدر الادم ( بالفصول ) الأربعة ، فيجب لها في كل فصل ما يعتاده الناس من الادم ، قالا : وقد تغلب
الفاكهة في أوقاتها فتجب ، وقال القاضي حسين : يجب الرطب في وقته واليابس في وقته . قال الأذرعي : ويجب أيضا
أن يختلف الادم باختلاف القوت الواجب ، فمن قوتها التمر لا يفرض لها التمر أدما ، ولا ما لا يؤكل مع التمر عادة كالخل ،
ومن قوتها الاقط لا يفرض لها الجبن ولا اللبن أدما ، وقس على هذا . وقال أيضا : إنما يتضح وجوب الادم حيث يكون
القوت الواجب ما لا ينساغ عادة إلا بالادم كالخبز بأنواعه ، أما لو كان لحما أو لبنا أو أقطا فيتجه الاكتفاء به إذا جرت
عادتهم بالاقتيات به وحده اه . وهذا لا ينافي ما مر عنه من قوله : فمن قوتها التمر الخ ، لأن ذلك إذا لم تجر العادة بالاكتفاء
به وحده . ( ويقدره ) عند تنازع الزوجين فيه ( قاض باجتهاده ) إذ لا توقيف فيه من جهة الشرع ، ( ويفاوت ) في
قدره ( بين موسر وغيره ) فينظر في جنس الادم وما يحتاج إليه المد فيفرضه على المعسر ويضاعفه للموسر ويوسطه
بينهما للمتوسط ، وما ذكره الشافعي رضي الله عنه من مكيلة زيت أو سمن : أي أوقية ، فتقريب كما قاله الأصحاب . ولو
سئمت من أدم لم يلزمه إبداله ، وتبدله هي إن شاءت لأنه ملكها . قال الأذرعي : ولو كانت سفيهة أو مميزة وليس لها
من يقوم بذلك فاللائق بالمعاشرة بالمعروف أن يلزم الزوج إبداله عند إمكانه . ( و ) يجب لها عليه ( لحم يليق بيساره )
وتوسطه ( وإعساره كعادة البلد ) فإن أكلوا اللحم في كل يوم مرة فلها كذلك . ولا يتقدر بوزن كرطل ، بل يعتبر
فيه تقدير القاضي كما صرح به في البسيط . ولو أن المصنف أخر عن الادم واللحم قوله : ويقدره الخ لرجع التقدير
إليهما ، وما ذكره الشافعي رضي الله عنه من رطل لحم في الأسبوع الذي حمل على المعسر ، وجعل باعتبار ذلك على
الموسر رطلان ، وعلى المتوسط رطل ونصف ، وأن يكون ذلك يوم الجمعة لأنه أولى بالتوسيع فيه ، محمول عند الأكثرين
على ما كان في أيامه بمصر من قلة اللحم فيها ، ويزاد بعدها بحسب عادة البلد . قال الشيخان : ويشبه أن يقال لا يجب
الادم في يوم اللحم ، ولم يتعرضوا له ، ويحتمل ، أي وهو الظاهر ، أن يقال : إذا أوجبنا على الموسر اللحم كل يوم يلزمه
الادم أيضا ليكون أحدهما غذاء والآخر عشاء على العادة ، وينبغي على هذا كما قال بعضهم أن يكون الادم يوم إعطاء اللحم
على النصف من عادته ، وتجب مؤنة اللحم وما يطبخ به . ( ولو كانت ) عادتها ( تأكل الخبز وحده وجب ) لها ( الادم ) ولا نظر
لعادتها لأنه حقها كما لو كانت تأكل بعض الطعام فإنها تستحق جميعه . ثم شرع في الواجب الثالث ، وهو الكسوة ، فقال : ( و )
يجب لها ( كسوة ) بكسر الكاف وضمها ، لقوله تعالى : * ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) * ولما روى الترمذي أن
رسول الله ( ص ) قال في حديث : وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن قال : حديث حسن
صحيح . ( ولا بد أن تكون الكسوة تكفيها ) للاجماع على أنه لا يكفي ما ينطلق عليه الاسم . وتختلف كفايتها بطولها
وقصرها وسمنها وهزالها ، وباختلاف البلاد في الحر والبرد ، ولا يختلف عدد الكسوة باختلاف يسار الزوج وإعساره
ولكنهما يؤثران في الجودة والرداءة . ولا فرق بين البدوية والحضرية على المذهب ، وفي الحاوي : لو نكح حضري
بدوية وأقاما في بادية أو حاضرة وجب عرفها ، ويقاس عليه عكسه . فإن قيل : لم اعتبرتم الكفاية في الكسوة ولم
تعتبروها في الطعام ؟ أجيب بأن الكفاية في الكسوة متحققة بالمشاهدة ، وكفاية الطعام ليست كذلك فلم يعتبروها
للجهل بها . ( فيجب ) لها عليه في كل ستة أشهر ( قميص ) وهو ثوب مخيط يستر جميع البدن ، وفي ذلك إشعار
مغني المحتاج — صفحة 429
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٤٢٩