والأصح كما في الشرح والروضة منع الاعتياض عن النفقة المستقبلة لأنها معرضة للسقوط بالنشوز وغيره بخلاف الحالية
والماضية . ومحل الخلاف في الاعتياض من الزوج . أما من غيره فلا يجوز قطعا كما قاله في الروضة ، أي في النفقة الحالية
فإنها معرضة للسقوط بنحو نشوز . أما الماضية فيصح فيها بناء على صحة بيع الدين لغير من هو عليه . ويجري الخلاف
في الاعتياض عن الكسوة إن قلنا تمليك ، وهو الأصح ، وفي الاعتياض عن الصداق كما في الشرح والروضة في باب المبيع
قبل قبضه وفي باب الصداق . وحيث جوزنا الاعتياض يشترط أن لا يفترقا إلا عن قبض لئلا يصير دينا بدين ، وأن
لا يكون فيه ربا كما ذكره بقوله : ( إلا خبزا أو دقيقا ) ونحوهما من الجنس ، فلا يجوز ( على المذهب ) لما فيه من الربا . والثاني :
الجواز ، وقطع به البغوي ، لأنها تستحق الحب والاصلاح ، فإذا أخذت ما ذكر فقد أخذت حقها لا عوضه ، ورجحه
الأذرعي وقال : الأكثرون على خلاف الأول رفقا ومسامحة ، ثم قال : ولا شك أنا متى جعلناه اعتياضا فالقياس
البطلان . والمختار جعله استيفاء ، وعليه العمل قديما وحديثا . أما لو أخذت غير الجنس كخبز الشعير عن القمح فإنه
يجوز كما لو أخذت النقد .
تنبيه : يدخل في الطعام ماء الشرب ، قال تعالى : * ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) * فيجب لها . قال الزركشي : ولا شك
في وجوبه ، وبه صرح الدارمي ، وقد يؤخذ من قول المصنف فيما بعد : ويجب لها آلة أكل وشرب ، فإذا وجب
الظرف وجب والمظروف . وأما تقديره فالظاهر فيه الكفاية ويكون إمتاعا لا تمليكا ، حتى لو مضت عليه مدة سقط اه .
وفي قوله : إمتاعا نظر ، والظاهر أنه تمليك ، لأنهم قالوا : كل ما تستحقه الزوجة تمليك إلا المسكن والخادم . ( ولو
أكلت معه ) أي الزوج ( على العادة ) أي من غير تمليك ولا اعتياض ، ( سقطت نفقتها في الأصح ) قال في زيادة الروضة :
لجريان العادة به في زمن النبي ( ص ) وبعده من غير نزاع ولا إنكار ولا خلاف ، ولم ينقل ان امرأة طالبت
بنفقة بعده . ولو كان لا يسقط مع علم النبي ( ص ) بإطباقهم عليه لاعلمهم بذلك ، ولقضاه من تركه من مات
ولم يوفه ، وهذا لا شك فيه . والثاني : لا تسقط لأنه لم يؤد الواجب وتطوع بغيره .
تنبيه : التصوير بالاكل معه على العادة ، قال الأسنوي : يشعر بأنها إذا أتلفت أو أعطته غيرها لم تسقط ، وبأنها إذا
أكلت معه دون الكفاية لم تسقط ، وبه صرح في النهاية ، وعليه فهل لها المطالبة بالكل أو بالتفاوت فقط ؟ فيه نظر .
قال الزركشي : والأقرب الثاني . وقال ابن العماد : ينبغي القطع به ، فإن كان الذي أكلته غير معلوم وتنازعا في قدره
صدقت فيه بيمينها ، لأن الأصل عدم قبضها الزائد . وقول المصنف : معه ليس بقيد ، بل لو أرسل إليها الطعام أو
أحضره وأكلته كان الحكم كذلك . ولو أضافها رجل فأكلت عنده لم تسقط نفقتها ، قال الدميري : إلا أن يكون
المقصود إكرام الزوج فتسقط . ( قلت : إلا أن تكون ) الزوجة ( غير رشيدة ) كصغيرة أو سفيهة بالغة ( ولم يأذن ) في أكلها
معه ( وليها ) فلا تسقط نفقتها جزما بأكلها معه كما قاله في الروضة ، ( والله أعلم ) ويكون الزوج متطوعا . وأفتى البلقيني
بسقوطها بذلك ، قال : وما قيده النووي غير معتمد ، وقد ذكر الأئمة في الأمة ما يقتضي ذلك ، وعلى ذلك جرى الناس في
الأعصار والأمصار . وعلى الأول قال الأذرعي : والظاهر أن ما مر في الحرة ، أما الأمة إذا أوجبنا نفقتها فيشبه أن
يكون المعتبر رضا السيد المطلق التصرف بذلك دون رضاها كالحرة المحجورة .
تنبيه : يرد على المصنف ما إذا طرأ سفه الزوجة بعد رشدها ولم يعد الحجر عليها ، فإنه لا يفتقر السقوط بالاكل مع
الزوج إلى إذن الولي على المذهب لنفوذ تصرفها ما لم يتصل بها حجر الحاكم . فإن قيل : أكل الصغير قبض ، وهو غير
معتد به وإن أذن الولي . أجيب بأن الزوج كالوكيل في شراء الطعام وإنفاقه عليها ، ويشهد له ما لو خالعها على إرضاع
ولده منها وعلى طعام في ذمتها وأذن لها في إنفاقه على الصغيرة فإنها تبرأ على المذهب ، هذا كما قال الأذرعي إذا كان
الحظ للغير فيه ، أما لو كان الحظ في أخذ المقدر فلا ، ويكون وجود إذنه كعدمه لبخس حقها إلا إن رأى الولي المصلحة
مغني المحتاج — صفحة 428
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٤٢٨